الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 أوقات عصيبة تمر بها الصحافة، ويطارد فيها الصحفيون، وتصبح مصائرهم معلقة بفوهات المدافع؛ سواء كانت مدافع جيوش دولية، مثل تلك التي تحشدها أميركا لتطويع العالم واعادة رسم خرائطه، أو مدافع نظم غبية عقيمة لا ترى أبعد من وقع أحذيتها الثقيلة، وترتجف رعباً من كل كلمة حق، أو مدافع الفساد التي لا تبقي ولا تذر، وشعارها مستمد من تراث المفسدين الأوائل: اخرجوا كل قلم متطهر، واقصفوا رقاب المتنزهين عن البيع في سوق النخاسة. أوقات عصيبة تمر بها مهنة اشتهرت بأنها مهنة البحث عن المتاعب، فصارت بفعل عوامل التعرية السياسية والحروب العنصرية وحرب الارهاب، مهنة البحث عن الموت الحرام؛ والكسب الحرام؛ والنفخ في أبواق أمراء الظلام، إلا قليلاً من القابضين على جمر الكلمة الحرة، المدافعين عن حق القاريء في المعرفة، العابرين لكل بحار الزيف ورذائل العنصرية، دون ان تهتز الأقلام في أيديهم، أو تجف صحفهم؛ وتصبح صفراء الوجه كالحة الملامح. وأوقات الصحافة العصيبة، عالمية مواقيتها، لا فرق بين شرق غارق في المشاكل، متضاربة أمواج بحاره ما بين مستحقات الداخل المؤجلة والمسكوت عنها، وتحديات الخارج العاتية كالاعصار، أو غرب صار رهينة لهاجس ارهابي حقيقي أم مختلق، لا فرق، فالبيت الأبيض لا تنقطع تحذيراته من هجمات لم تقع، في استثمار لهجمات 11 سبتمبر، لا سقف لأرباحه السياسية والاقتصادية، مثلما لا سقف لخسائره الحضارية الغربية ولمجتمع الحريات الذي تحول الى مجتمع التضييق على كل الحريات. ولم تفرخ أوقات الصحافة العصيبة عن مقتل 67 صحفياً فقط، بل وضعت كل الصحفيين على قائمة الموت، سواء أكان موتاً برصاصة طائشة، أو بطعنة غادرة تصادر حياة الصحفي أو صوت الحق داخله للأبد. ففي الولايات المتحدة، وضع الصحفيون الأميركيون تحت الرقابة الدائمة لأجهزة ووكالات الأمن والاستخبارات، ما لم يتم التحقق من ولائهم المطلق وعسكرتهم في حرب الارهاب التي يقودها جورج بوش وصقور اليمين الصهيوني الأميركي، وبدون مبالغة أصبح البكاء على الحريات المدنية، التي ظلت تباهي بها أميركا العالم هي السمة الغالبة في خطاب بقية المثقفين الأحرار في الولايات المتحدة، أما الصحفيون الأجانب ـ العرب والمسلمين خصوصاً ـ فحدّث ولا حرج عن معاناتهم؛ إن كانوا من الصنف القابض على جمر حريته ونزاهة القلم. الأدهى في مسلسل أوقات الصحافة العصيبة، ان الاتحاد الدولي للصحفيين لم يجد سوى دعوة الصحفيين لتلقي تدريبات عسكرية تمكنهم من تفادي الخطر خلال قيامهم بتغطية المعارك ـ طبعاً في النصف الجنوبي من العالم ما بين أفغانستان والعراق وفلسطين ـ بعد ان بح صوت منظمات الدفاع عن حريات الصحفيين في التنديد بجرائم اسرائيل تجاه الصحفيين، دون ان يلحق بمجرمي الحرب الصهاينة أدنى أذى. إذن فالمطلوب من الصحفيين الآن هو انخراطهم في تعلم فنون الحرب الدفاعية، ووسائل الوقاية التي لم تنقذ حياة صحفي فرنسي وهو محارب قديم من الموت تحت جنازير دبابة أميركية. على ان أوقات الصحافة العربية العصيبة، لها طقس مشبع بعواصف أخرى، اعتاها عاصفة الفساد التي تنخر في جسد المهنة، وتدفع بكل مدافع حقيقي عن حرية المهنة الى شواطيء النسيان، بعد ان تنهكه ضربات القفازات الحريرية غير المرئية، ووسط ضجيج جوقة الانتهازيين وأناشيد الحرية الزائفة. وحتى لا تغرقنا الأحزان، هناك بارقة أمل تبشر بغد أفضل، وإن كان بعيداً، فمازالت هناك أقلام مشهرة في وجه الزيف والفساد تقول كلمتها دون صخب أو افتعال بطولة، وبها سيبقى المستقبل مفتوحاً على ساحات الضياء.