الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 سيادة القانون ـ وليس سيادة السلطة الحاكمة ـ هي المرتكز الاساسي للنظام الديمقراطي في البلدان المتقدمة الملتزمة بهذا النظام لكن ليس في الولايات المتحدة، هكذا ظهر الامر جليا في مرحلة ما بعد «احداث سبتمبر» اكثر من اي وقت مضى، والمشكلة الكبرى في اميركا دون الديمقراطيات الغربية المتقدمة الاخرى، هي ان القضاة الاميركيين لا يتمتعون باستقلالية. هذا القول ليس نظريا ففي وسائل الاعلام الاميركية والغربية عموما يتصاعد الان جدل حول مصير مواطنين اميركيين محتجزين لمدى شهور على اساس ان كلا منهما «مشتبه به» في سياق الحملة على الارهاب. وبصورة محددة يتعلق الامر بالقوانين الجديدة التي سنت بعد احداث سبتمبر في معظم الدول الغربية بما في ذلك الولايات المتحدة بغرض مكافحة الارهاب، لكن هناك فارقا بين قوانين الدول الاوروبية وقوانين الولايات المتحدة فبينما تعطي هذه القوانين في الحالتين الاوروبية والاميركية على حد سواء سلطات اضافية للشرطة والاجهزة الامنية الا ان المشتبه بهم في حالة الولايات المتحدة، وعلى عكس ما هو مطبق في اوروبا لايملكون حق الاستعانة بمحام، ويبقون رهن الاعتقال الى اجل غير مسمى. والآن تنتظر الدوائر القانونية في الولايات المتحدة بتلهف نتائج معركة قانونية تدور بين السلطة الحاكمة ومنظمات الحريات المدنية عبر المراحل الصعودية للجهاز القضائي الاميركي على مستوى المحاكم الفيدرالية ثم محاكم الاستئناف ومن ثم المحكمة الدستورية العليا، فمنظمات الحريات المدنية تعتقد ان القوانين المشار اليها غير دستورية. ولكن السؤال المطروح هو: الى اي مدى يتمتع القضاة الاميركيون، بمن في ذلك قضاة المحكمة الدستورية العليا، بالاستقلالية المهنية.. وبالتالي الى اي مدى يتمتعون بالنزاهة والشجاعة بالمفهوم القانوني المهني لاصدار احكام موضوعية قد لا ترضي السلطة الحاكمة؟ امام المحاكم الآن قضيتان بشأن مواطنين اميركيين اثنين محتجزين بشبهة الارهاب وهما هوزيه باديلا وياسر حمدي. وقد مضى على احتجاز كل منهما شهور دون ان يوجه الى اي منهما اتهام محدد كتمهيد لتقديمهما الى محاكمة وكل منهما بالطبع محروم من حق الاستعانة بمحام. ولو كان هذان الرجلان اجنبيين لما واجهت الاجهزة الامنية الاميركية اي مشكلة بشأنهما فأمثالهما من المشتبه بهم من الاجانب اخذوا ببساطة الى خارج الاراضي الاميركية حيث بقوا محتجزين في معسكر غوانتانامو في شمال الجزيرة الكوبية، لكي يكونوا خارج النطاق الجغرافي للقوانين الاميركية. لذا لجأت السلطات الاميركية الى حيلة قانونية اخرى بشأن حالتي المواطنين الاميركيين باديلا وحمدي، فقد استصدرت السلطات من الرئيس الاميركي «قرارا تنفيذيا» باعتبار كل منهما «عدو مقاتل» وهو اجراء يتخذ في حالة الحرب.. وبموجبه يحتجز المشتبه به لدى القوات المسلحة الاميركية دون ان يقدم الى محاكمة او يسمح له بالاستعانة بمحام. والآن تستعر المعركة القانونية التي اشعلتها منظمات الحريات المدنية برفع الامر الى القضاء فكيف تسير المعركة؟ لقد كسبت المنظمات الجولة الاولى عندما اصدر قاضي المحكمة الابتدائية حكما يقضي بالسماح للمشتبه بهما بتوكيل محام لكن تبقى جولتان على مستوى محكمة الاستئناف ثم المحكمة الدستورية، والمشكلة هي ان كبار القضاة على هذين المستويين يعينون عادة في مناصبهم بقرارات سياسية تصدر عن السلطة الحاكمة وبناء على الانتماء الحزبي فهناك قضاة «جمهوريون» وقضاة «ديمقراطيون» وفقا لهوية الادارة الاميركية في اي وقت معين. ووفقا للنظام السياسي الاميركي فان رئيس الجمهورية الفائز في الانتخابات الرئاسية يحق له عند توليه السلطة اقصاء من يرى من القضاة لتعيين قضاة آخرين مكانهم بناء على انتمائهم للحزب الفائز. وهب ان منظمات الحريات المدنية حققت مكسبا ثانيا على مستوى محكمة الاستئناف فانها قطعا لن تكسب الجولة الاخيرة على مستوى المحكمة الدستورية العليا فالغالبية العددية لقضاة هذه المحكمة مدينون في مناصبهم للرئيس جورج بوش. وهذا هو حال القضاء الاميركي والسؤال الاخير الذي يطرح: اذا كان مواطنون اميركيون لا يلقون عدالة قانونية فكيف يلقاها اجانب؟ احمد عمرابي