الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 في بداية الألفية الثالثة زاد الدور الاستراتيجي والمحوري لوسائل الإعلام سواء في حياة الأفراد او المنظمات او المجتمعات، وأصبحت الكثير من الافكار والصور والاعتقادات والادراكات تحددها الرسائل التي نتلقاها يوميا من خلال الفضائيات وشبكة الانترنت والإعلانات والصحف والمجلات والاذاعات واصبح المنتج الثقافي يحاصرنا في كل زاوية. والسؤال الذي يفرض نفسه في هذا المقام هو الى اي مدى تتقيد المؤسسات التي تصنع المنتج الثقافي ـ وفي نفس الوقت تصنع الرأي العام ـ بما فيها وسائل الإعلام المختلفة بأخلاقيات العمل الاعلامي؟ وهل هناك ضمير مهني يوجه حسب مباديء وأسس وقيم إنسانية ومهنية ما يقدم لعقل الإنسان وإدراكه حتى يكون صوره ومواقفه عما يحدث من حواليه، ابتداء من محيطه الأقرب الى اقصى بقاع العالم؟ التجارب العديدة والتاريخ والحروب والنزاعات والصراعات بين الافراد والمؤسسات والأمم والثقافات والأديان والايديولوجيات.. إلخ، كلها أكدت أن الصناعات الثقافية والصناعات الإعلامية تحددها وتسيرها نزوات وشهوات وميول ومصالح وأيديولوجيات قد تتنافى جملة وتفصيلا مع المباديء الأخلاقية للعمل الإعلامي وللصناعات الثقافية. وعملا بمبدأ الغاية تبرر الوسيلة نجد أن العديد من مخرجات وسائل الإعلام والثقافة تضرب عرض الحائط باحترام المتلقي، وتضع نصب اعينها ما يريده صاحب المؤسسة الاعلامية والقوى الخفية التي تسيرها وتديرها وتلتحم عندئذ السياسة بالمال وتضيع أخلاقيات العمل الإعلامي. تغطية الحروب والنزاعات، تغطية حرب الخليج الثانية، أحداث أوكلاهوما، وأحدث 11 سبتمبر والحرب على الارهاب وسجناء غوانتنامو وكذلك الحركات التحررية في العالم والقضايا المختلفة بين العالم المتقدم والدول النامية، بين الشرق والغرب، بين الأبيض والأسود، كلها أثبتت أن القيم والمباديء التي من المفروض ان تقوم عليها الكلمة الصادقة والعمل الإعلامي النزيه والموضوعي والمسئول كلها وهم وتنظير. فالعمل الإعلامي اصبح اقرب الى «فبركة الواقع» منه الى تفسير وشرح وتقديم هذا الواقع إلى الجمهور. والفبركة بطبيعة الحال تحكمها مصالح وآليات تضرب عرض الحائط بمقومات العمل النزيه والمسئول والموضوعي، وما يهمه في المقام الأول هو تكييف العقول والأراء والصور مع مصالح القلة القليلة التي تحكم سواء محليا او عالميا، ويتحقق هذا في غالب الأحيان على حساب الحقيقة والواقع. مهمة استراتيجية مهنة وممارسة الإعلام في مختلف وسائل الاتصال بحاجة الى اخلاقيات وضوابط وأسس ومباديء ومواثيق شرف واعراف وآداب تسير عليها وتعمل وفقها حتى تبقى شريفة، نزيهة، ونبيلة تؤدي مهمته، على أحسن وجه، بعيدا عن المزايدات والمساومات وكل ما يسيء اليها والى اخلاقياتها. وأي عمل إذا لم يلتزم بضوابط وبأخلاق وبأسس وقوانين يصبح فوضى تتلاعب به القوى التي قد تكون مصالحا بعيدة عن الصالح العام وعن قيم المجتمع ومبادئه. الإعلام الجاد والهادف والملتزم هو ذلك الإعلام الذي يبتعد عن الفانتازيا والفلكلور و«الشوبيز» والإثارة والتقليد. فالمهمة الاستراتيجية للعمل الإعلامي هي الكشف عن الحقيقة وابلاغ الفرد وإدماجه في المجتمع وإشراكه في اتخاذ القرار. دور الإعلام هو جعل الفرد في المجتمع فردا واعيا يعرف حقوقه وواجباته ومسئولياته الإعلام يهدف إلى التغيير والاصلاح والتوجيه والتوعية، بدلا من اثارة الفتن والقذف والتجريح والتشويه والتضليل والدعاية المغرضة. حرية الصحافة وحرية التعبير وحرية الرأي هي مباديء وقيم وممارسات ومسئولية اجتماعية وسلوك حضاري والمسئولية هنا تأتي بالدرجة الاولى لخدمة الصالح العام والسوق الحرة للافكار، وليس الاساءة للاخرين والنيل منهم عن طريق الشتم والمساس بكرامتهم وسيادتهم واصولهم. والمسئولية في الممارسة الاعلامية لاتعني في اي حال من الاحوال الرقابة والرقابة الذاتية او التسلط على المؤسسة الاعلامية او الحذف او الضغط بمختلف اشكاله بقدر ما تعني التحلي باخلاقيات المهنة وبالمهنية والاحترافية. ونظراً للأهمية الاستراتيجية لمهنة الصحافة ودورها الرئيسي في المجتمع، من واجب القائم بالاتصال والمؤسسة الاعلامية التقيد والامتثال للثوابت والمحددات والمستلزمات التي تحكم هذه المهنة والتي نلخصها فيما يلي: ان تحترم حرية الصحافة الحياة الخاصة للآخرين، ويجب على الصحافي ان يعرف حدوده ولا يتخطاها باستعماله قلمه ومنصبه لتحقيق اهداف واغراض شخصية واهداف قد تكون بعيدة عن الكشف عن الحقيقة وابلاغ الجمهور بموضوعية ونزاهة والتزام، وقد تتحول بذلك الى الانحراف والابتعاد عن الضمير المهني واخلاقيات المهنة لتحقيق مصالح شريحة او فئة معينة على حساب المجتمع بأكمله. وتصبح الممارسة الاعلامية هنا اقرب الى التضليل والتزييف واخفاء حقائق ومعطيات قد تكون مهمة في تشكيل الرأي العام وتوجيهه، وبدلاً من خدمة الرأي العام والصالح العام تصبح المؤسسة الاعلامية تزيف الواقع او تستعمل مكانتها في المجتمع وسلطتها لخدمة مصالح واهداف قد تكون بعيدة كل البعد عن خدمة الحقيقة والسوق الحرة للافكار. على القائم بالاتصال ان يضع نصب أعينه الواقع الذي يعيش فيه بكل مكوناته وثوابته وعاداته وتقاليده، ولذلك يجب ان يبتعد عن التقليد الاعمى وعن بعض الممارسات الصحفية التي لا تنسحب ولا تنسجم مع المجتمع ومقوماته ومبادئه وعلى الاسس التي يقوم عليها. رسالة القائم بالاتصال في المجتمع تتحدد قبل كل شيء في مهام ورسالة نبيلة وفي اولويات محددة تتعلق بالتنشئة الاجتماعية والتوعية والتثقيف وتسليط الاضواء على التجاوزات والاخطاء والهفوات وتنوير الرأي العام من اجل عطاء اكثر واداء اوفر. تهدف حرية الصحافة إلى خدمة الصالح العام من جمع وتوزيع الاخبار والهدف هنا هو تمكين الرأي العام من اصدار احكام صائبة ورشيدة حول كل ما يعنيه من قريب أو من بعيد. كما من واجب القائم بالاتصال ان يراقب ويكشف ليس افراد المجتمع فقط وانما المشرفين والقائمين على السلطة اذا استخدموا نفوذهم وسلطتهم لاشباع نزواتهم ومصالحهم الخاصة. حرية الصحافة هي ملك للشعب بكامله وليس ملك للمؤسسة الاعلامية أو للقائم بالاتصال لذلك يجب صيانتها والدفاع عنها وعدم اساءة استخدامها وهي بذلك ليس التطفل على جهة لخدمة جهة اخرى وانما هي ممارسة مقدسة تخدم المصلحة العامة والحقيقة والسوق الحرة للأفكار وتوفر منبراً حرا للآراء والنقاش لجميع فئات المجتمع. الصحافي الذي يحترم نفسه وجمهوره ومصادر اخباره ومهنته هو الصحافي الذي يعمل بالصدق والدقة وعدم التحيز والتقيد باحترام حقوق الشعب ومراعاة الآداب العامة، وهو الصحافي الذي يعمل جاهدا من اجل المحافظة على سمعته واسمه وكذلك المحافظة على مهنته وسمعة مؤسسته، وليعلم الصحافي ان الجمهور ليس غبيا، ويستطيع ان يفرق بين «الدعاية المجانية» و «التطبيل والزغردة والتزمير» والتملق وبين الصحافة الهادفة والمسئولة والجادة والملتزمة. اذا كان الصحافي غير متأكد من معلوماته واستنتاجاته فمن الاحسن الا يتسرع ويأخذ الوقت اللازم للتأكد مما سيقدمه للرأي العام ولقرائه، حيث ان الجري وراء السبق الصحفي والسمعة والشهرة والنجومية والى غير ذلك قد يورط الصحافي في مطبات لا تحمد عقباها. معادلة مختلة في اخلاقيات العمل الاعلامي يجب على القائم بالاتصال الرجوع دائما الى المنطق وان يسأل السؤال التالي دائما: ما هو دوره في المجتمع وما هي مسئوليته امام قرائه ومستمعيه ومشاهديه، وما هو هدف العملية الاعلامية؟ اهو التشهير ام القذف؟ ام خدمة المصلحة العامة ام الحاق الضرر بالاخرين، ام التضليل والتزييف والتشويه؟ ام ان رسالته في المجتمع هي رسالة نبيلة تتمثل في الكشف عن الحقيقة بكل موضوعية ونزاهة والتزام؟ فالتحلي بالاخلاق والامتثال للقانون وللصالح العام ولمواثيق الشرف من المميزات الرئيسية للعمل الاعلامي الناجح والمسئول والهادف والملتزم. ما يؤسفنا قوله عن واقع اخلاقيات الممارسة الاعلامية في الوطن العربي هو غياب الكثير من مستلزمات الممارسة المسئولة والنزيهة والملتزمة، حيث نلاحظ غياب مواثيق الشرف في الكثير من المؤسسات الاعلامية وكذلك غياب الجمعيات والنقابات والاتحادات الاعلامية وان وجدت فتكون شكلية فارغة من محتواها الحقيقي، بالاضافة الى ان الضغوط المختلفة على المؤسسة الاعلامية وعلى الصحافي نفسه وكذلك غياب حرية الصحافة في الكثير من الاحيان، وضعف القوانين والتشريعات الاعلامية ـ سواء ما يتعلق بالتطبيق والممارسة ـ كلها عوامل تؤثر سلبا على البعد الاخلاقي في معادلة الممارسة الاعلامية. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة