الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 على الرغم من ان وزير الخارجية الاميركي كولن باول ليس متهماً بالانحياز الى اسرائيل ـ خلافاً لحال صقور البيت الابيض: نائب الرئيس ديك تشيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، ومستشارة الرئيس لشئون الامني القومي كوندوليزا رايس، بالاضافة الى مجموعة التخطيط في وزارة الدفاع، إلا ان المبادرة التي اعلن عنها اخيراً والخاصة بـ «الشراكة مع الشرق الاوسط» تقربه كثيراً من مواقع الآخرين. ومن الممكن ـ الى حد ما ـ تفهم دوافع الوزير باول لكسر دائرة الحصار التي تحاول هذه المجموعة، المتزايدة النفوذ في الادارة الاميركية ان تبقيه داخلها، وذلك باظهار قدرته على الدفاع عن ادارته وتحسين سمعتها حتى يستطيع بناء أسس، ولو هشة، للانسجام معها، لكن مبادرته «التجميلية» ظلت قاصرة عن ان تحقق هدفها، او ان تقدم شيئاً جديداً فيما يتعلق بمعضلات الشرق الاوسط، لاسيما المعضلة الرئيسية منها: القضية الفلسطينية. ينبغي القول، بكل موضوعية، ان مبادرة كولن باول لا تزيد عن كونها مجرد حملة اعلامية، او بالأحرى اعلانية، بسيطة، ساذجة، مباشرة، وضيقة الافق، وحتى المبلغ المرصود لتغطية هذه الحملة، وهو 29 مليون دولار، تافه ولا يصل الى مستوى ما تنفقه شركة صغيرة على الدعاية لأحد منتجاتها، في حين ان تبييض سجل الولايات المتحدة وتحسين سمعتها في العالم، وفي منطقة الشرق الاوسط خصوصاً، تحتاج الى مليارات الدولارات. فالدعوة الى اقامة دورات تدريبية سريعة لتعليم الديمقراطية في العالم العربي، لا تختلف عن نمط الكتب التي تؤلف كيفما كان وتشرح «كيف تصحب مليونيرا»، او «كيف تتعلم اللغة الانجليزية في سبعة ايام»، أو «كيف تعالج نفسك من دون طبيب»..الخ.. وفضلاً عن ان هذه الكتب تعتمد على غباء القاريء، وليس على نباهته وذكائه، فإن الملفت فيها هي انها، في معظمها، ذات مصدر اميركي، ويمكن ان نضيف الآن عنواناً جديداً، الى العناوين السابقة هو: «كيف تصبح ديمقراطياً في ثلاثة ايام»، باعتبار ان الادارة الاميركية مستعجلة جداً لحسم بعض الامور التي تزعجها! هذا من ناحية. ومن ناحية اخرى فإن وزير الخارجية الاميركي، الذي يفترض فيه ان يعكس السياسة الخارجية للولايات المتحدة ويعبر عنها بدقة، لم يؤكد قدرته في أي وقت من الاوقات على تحويل افكاره، برغم غموضها وتشوشها الى واقع ملموس. والسبب في ذلك هو ان المجموعة النافذة التي تتحرك الى جانبه في البيت الابيض لا تترك له اي فرصة لتشكيل مركز قوة، مهما كان محدوداً، كما لم تدع له مجالاً لاقران القول بالفعل في كل المحاولات التي بذلها لاحداث اختراق في ازمة الشرق الاوسط قد يؤدي الى تحقيق تطور ايجابي في مسار العملية السلمية. لذلك فإن مبادرة كولن باول الحالية والرامية الى اضفاء نوع من العقلانية على ادارته واعادة المصداقية اليها، تمثل تراجعاً في مسيرة هذا الرجل، وتقلصاً في رصيده السياسي. «تهويمات» حول الشراكة ان «وصفة الديمقراطية» التي تمخضت عنها مبادرة الوزير الاميركي رأى فيها بعض المحللين نوعا من «تهويمات» سياسية ناشئة عن ازمة باول نفسه داخل ادارة الرئيس جورج بوش، اكثر من كونها حاجة شرق اوسطية، او علاجا حقيقيا، وليس ذلك لان العالم العربي لا يشكو من نقص في الديمقراطية، بل لان للمشكلة اسبابا اخرى يحاول الوزير باول ان يشيح وجهه عنها. من الواضح ان الوزير باول تجنب تسمية الاشياء بمسمياتها الصحيحة، فهو لم يتحدث عن الاحتلال الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية ولا أراضٍ عربية اخرى، وبالتالي فهو لم يتوقف ابداً عن عمليات التدمير والقتل والعقاب الجماعي وتغيير الوضع الديمغرافي في الاراضي الفلسطينية المحتلة عبر تكثيف النشاط الاستيطاني ومن اجل تحويل الانظار عن الفاعل الحقيقي، فقد ركز كلامه على ضرورة «انهاء الارهاب والعنف الذي يأتي من المجتمع الفلسطيني» على حد قوله. عن أي شراكة يتحدث باول؟ كيف تكون الولايات المتحدة شريكة للدولة العربية، التي يتوجه اليها باول بمبادرته، بينما هي تدعم العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني وتقدم الحماية للاحتلال عبر اسباغ الشرعية عليه، باعتباره دفاعاً عن النفس، كما يكرر الرئيس جورج بوش دائما، وعبر استخدام الفيتو في مجلس الامن لمنع مرور القرارات التي تستهدف وقف العدوان، او التنديد به على الاقل؟ وما هي هذه الشراكة مع العالم العربي التي تتيح للولايات المتحدة غزو العراق والتسبب بمزيد من المعاناة للشعب العراقي، بزعم انه يملك اسلحة دمار شامل ويرفض التخلص منها؟ وأي نوع من الشراكة هذا الذي يتحدث عنه الوزير باول بينما تكثف الادارة الاميركية حملاتها السياسية ضد عدة دول عربية، وتطلق على بعضها وصف «محور الشر»؟! من المؤكد ان تعبير «الشراكة» لا ينطبق إلا على العلاقة الاميركية ـ الاسرائيلية، بغض النظر عن مفاعيل هذه العلاقة فيما يتعلق بنشر الديمقراطية او تطبيقها في منطقة الشرق الاوسط، او في اسرائيل نفسها حيث تمارس الحكومة الاسرائيلية تمييزاً عنصرياً واضحاً ضد الاقلية العربية. يكفي ان نقول ان الشراكة الاميركية ـ الاسرائيلية ادت حتى الآن الى تعطيل كل الجهود السلمية في المنطقة، وحولت الكلام الاميركي عن قيام دولة فلسطينية الى مجرد عملية تضليلية هدفها تمييع الموقف في المرحلة الراهنة، والتأثير على مواقف الدول العربية فيما يخص الحملة العسكرية المتوقعة ضد العراق. وبفضل هذه الشراكة احبطت الادارة الاميركية خطة التسوية السلمية التي تحمل عنوان «خريطة الطريق» والتي كانت اللجنة الرباعية الدولية تزمع اعلانها في العشرين من ديسمبر الجاري، وذلك استجابة لمطلب ارييل شارون بطي هذا الملف الى ما بعد الانتخابات الاسرائيلية المقررة في 28 يناير المقبل وتشكيل حكومة اسرائيلية جديدة. ويرى المحللون في موقف الرئيس جورج بوش هذا خدمة لشارون، بتمكينه من خوض انتخابات مريحة لا يقدم فيها اي التزامات في شأن السلام في المنطقة، لا بالنسبة للاسرائيليين، ولا بالنسبة للدول التي تعتبر نفسها معنية بتطورات ازمة الشرق الاوسط، خصوصاً الاتحاد الاوروبي وروسيا. وفي هذه النقطة بالذات، فإن الموقف الاميركي من خريطة الطريق التي تنسب بالاساس الى واشنطن يظهر مدى الاستهتار الذي تبديه ادارة الرئيس جورج بوش حيال الجهود الدولية المبذولة لدفع عملية السلام في الشرق الاوسط الى الامام، لقد بدا لبعض الوقت ان اللجنة الرباعية الدولية قد تعيد التوازن الى هذه الجهود من خلال التخفيف من حدة الانفراد الاميركي بتقرير مصير العملية السلمية والتحكم بمسارها وفقا لمصالح الدولة العبرية وحدها، وذلك بعدما اكدت الاطراف الثلاثة ان الاحتلال الاسرائيلي والنشاط الاستيطاني في الاراضي الفلسطينية المحتلة يشكلان اساس المشكلة، والشاهد على ذلك ما ينشأ عن الاحتلال من ردود فعل عنيفة لدى الفلسطينيين المحاصرين والذين يتعرضون لأبشع انواع التنكيل والاذلال. لكن ادارة الرئيس بوش بددت هذا الاعتقاد، من خلال موقفها الاخير، اذ اظهرت مجدداً ان اللجنة الرباعية ليست، بالنسبة لها، سوى ورقة سياسية تستخدمها لتمييع الموقف ومنح اسرائيل مزيداً من الوقت لفرض ارادتها على الفلسطينيين. تصحيح الموقف الاميركي اولاً حيال ذلك، فإن كلام كولن باول عن «الشراكة في الشرق الاوسط» لا يعني سوى اسرائيل وحدها، مع ان هذا الخطاب موجه للدول العربية، ذلك ان توسيع الشراكة لتشمل الدول العربية، يتطلب تصحيح الموقف الاميركي اولا، حتى يصبح للشراكة معناها الايجابي المطلوب، اما «وصفة الديمقراطية» فتبدو خارج الموضوع تماما ـ على الاقل في هذا السياق ـ ولا تشكل عقبة رئيسية امام تحقيق السلام في الشرق الاوسط. ان التحول الديمقراطي في العالم العربي ـ اذا كان ذلك هو المقصود فعلاً ـ لن يحدث تحت ضغط الاحتلال الاسرائيلي وتدمير الدول العربية واحدة بعد الاخرى، بذريعة مكافحة الارهاب، او البحث عن أسلحة الدمار الشامل او تحت اي ذريعة اخرى، فاسرائيل كانت على مدى الخمسين عاماً الماضية، ولاتزال، المصدر الرئيسي للارهاب والعنف في المنطقة، واذا لم يتوقف الارهاب الاسرائيلي ستظل منطقة الشرق الاوسط كلها ساحة عنف مفتوحة على كل الاحتمالات السيئة، مهما تعاظمت التهديدات الاميركية، او تعمقت الشراكة الاميركية ـ الاسرائيلية. ان اقصر الطرق الى تحقيق التسوية السلمية في المنطقة، واحلال السلام بالتالي، يتمثل في وقف الدعم المالي والعسكري الاميركي لاسرائيل الذي تصل ارقامه الى عشرات المليارات من الدولارات، واذا حدث ذلك فعلاً ستصبح اسرائيل اكثر تجاوباً مع المساعي السلمية واكثر استعداداً لوضع حد للتوسع الاستيطاني ولسياسة الاحتلال والعدوان. ومن خلال مقارنة بسيطة يتبين لنا ان «وصفة الديمقراطية»، باعتبارها العلاج الشافي لصراع الشرق الاوسط تشبه تماماً وصفة تغيير القيادة الفلسطينية التي ستؤدي بحسب المنطق الاميركي، الى اقناع اسرائيل بانهاء احتلالها للاراضي المحتلة، وتصفية المستوطنات التي تمنع قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، ثم تحويل منطقة الشرق الاوسط بأسرها الى بقعة تمور بالأمن والسلام.. والأمل! هل يتحول كولن باول الى «بائع اوهام» باسم الديمقراطية، بينما منطقة الشرق الاوسط تشكو من العدوان والتوسع الاسرائيليين؟ على الارجح، فإن الحملة الاعلانية لوزير الخارجية الاميركي ستأتي بنتائج معاكسة، كما هو الحال بالنسبة للمشاريع الاميركية الاخرى، ذلك ان انهاء الاحتلال الاسرائيلي يحتاج الى وصفة من نوع آخر. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا