الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 تحدثنا البارحة عن الآثار السلبية التي نتجت عن الاكثار من الطرق على وتر الواقع غير المواتي للمشاريع العلمية الطموحة التي يحلم بها المخلصون كطوق نجاة للخروج من مرحلة الانتظار والتفرج على منجزات الآخرين، مما كرس شعوراً بأن تغيير الواقع هو امر في حكم المستحيل!! وكم شهدت المؤتمرات والمحافل العلمية مساجلات وحوارات ساخنة حول المسافة الشاسعة التي تفصل بيننا وبين دول العالم المتقدم، وبدلا من ان يؤول الحال بتلك المؤتمرات الى انشاء برامج عملية عاجلة تساهم في تخفيف حالة الشعور باللوعة والمرارة، وتخفض من درجة الاحتقان الناتج عن الشعور بالهزيمة النفسية، آل امر عشرات التوصيات الى ادراج مكاتب اعضاء تلك المحافل الرفيعة المستوى، والى الارشيف الخاص بالجهات الراعية لذلك النوع من الحملات التنظيرية، والى الصحف والمطبوعات التي سجلت مشكورة وقائع تلك اللقاءات ونقلتها لعامة الناس. ثم ظل الحال على ما هو عليه، دون ان تشهد الحياة العامة اي تغيير يذكر، خاصة وان النهضة الغربية اصبحت «فزاعة» تتراجع امام بيئتها الفاعلة همم اولي العقل والرأي من ابناء هذه الامة!! وبقي مطلب المماثلة والتقليد والمحاكاة واستنساخ تلك البيئة العلمية الغربية الواعدة هو الشرط الاول والاخير للبدء في العمل، والاّ فالصمت، والسكون التام الا عن الندب على الحظ العاثر!! وقد كان حريا بالغيورين منا ان يستثمروا الفرص المتاحة حتى ولو كانت ضئيلة وان يبدأوا في صياغة خطط استراتيجية طويلة الامد، ومجزأة الى مراحل زمنية تستوعب الاهداف الجزئية المخصصة لكل شوط من اشواط العمل الدؤوب وفق الظروف والامكانات المتاحة. فلو حدث ذلك لأمكن اذابة الجليد المتراكم فوق المشاريع المجمدة منذ عقود خلت، ولأمكن اشاعة ثقافة البحث عن افضل الممارسات بدلا من اضاعة الوقت في العتاب والشكوى وتبادل الاتهامات!! وليس ببعيد عنا ما فعله اليابانيون، وقد لحقت بهم خسائر مباشرة فاقت في حجمها اسوأ التوقعات، ناهيك عن الآثار غير المباشرة التي صاحبت اسقاط القنابل النووية، وادت الى تلوث سماء اليابان وارضها براً وبحرا، والى انتشار الأوبئة والامراض الخطيرة جراء الجريمة الاميركية الكبرى ضد هيروشيما ونجازاكي في الاربعينيات من القرن الماضي. وقد كانوا يستطيعون ان يفعلوا كما نفعل فيقوموا برصد آثار الدمار الشامل المادي منه والمعنوي، ويعددوا حجم المصائب التي لحقت بهم، ويقيموا المآتم، ويبكوا الحال الذي آل اليه مصيرهم، فلماذا لم يفعلوا ذلك، وحجم التحديات اكبر من حجم الفرص المتاحة عشرات المرات؟ وكيف نهضت اوروبا الجريحة التي شن عليها النازي الالماني حربا حصدت 50 مليونا من البشر وتخلصت من آثار الدمار الرهيب، ومازالت رائحة البارود تنتشر في كل بيت وحي ومدينة؟! بل الاعجب من ذلك كله موقف المانيا التي استردت عافيتها سريعا، وهي التي عانت من قسوة الظروف الكثير. فقد قادها هتلر الى الهاوية بأحلامه الحمقاء، وجعل من شبابها جسراً بشرياً يعبر من خلاله أوروبا دولة بعد دولة دونما ارادة من الشعب او اختيار منه في دخول تلك الحروب الطاحنة ثم شربت الكأس المرة مرة ثانية حين كانت نتيجة الجنون النازي هزيمة نكراء اصابتها على ايدي الحلفاء. فكان الثمن مضاعفاً، وكانت الضريبة باهظة التكاليف حيث قسم الشعب الى قسمين، وافترق الشمل من جديد على ايدي الحلفاء الذين نكلوا بهم، وارهقوهم بالدخول في اتفاقيات لم يكن لهم معها خيار. فكيف عادت الحياة اليها من جديد، وكيف تخلصت من تلك المصاعب، ونشطت في ترتيب بيتها الداخلي، وتعويض الخسائر في العقول والموارد؟ وها هي قد قطعت اشواطاً في سبيل تعزيز صورتها العلمية امام دول العالم، وعادت الشمس تشرق عليها من جديد. لقد ادركت تلك الشعوب ان العمل وحده هو السبيل لتحقيق الاهداف القومية وظل ابناء العروبة وحدهم يراوحون في موقف الشجب والاستنكار منذ اكثر من مئتي عام!!