الاربعاء 21 شوال 1423 هـ الموافق 25 ديسمبر 2002 زفت إلينا مديرة المدرسة الخاصة ما اسمته بالبشرى بتأجيل توقيت بدء الدراسة مدة ربع ساعة اعتبارا من يناير المقبل، وذلك ـ حسب قولها ـ حتى يتسنى لكافة الطلاب الحضور في الموعد المحدد. والحقيقة ـ كما ترويها بعض الامهات ـ ان هذه الخطوة جاءت ردا مبطنا على مطالبات بعض أولياء الامور بضرورة توفير البدائل اللازمة للحد من مكوث بعض الصغار في الحافلة المدرسية لمدة تتجاوز الساعة يتم فيها تجميع الطلاب من مختلف المناطق السكنية والمراحل الدراسية معا لايصالهم الى المدرسة، والوضع عينه يكابده الاطفال في طريق العودة. وكما هي الطرق الملتوية التي تتعامل بها بعض مؤسسات القطاع الخاص مع عملائها، تخلت بعض ادارات المدارس «التجارية» عن رسالتها التعليمية، والامانة التربوية التي حملها المجتمع اياها، ولاذت الى اسلوب المواجهة بوجهين كي تحتفظ بالطالب، وتضمن استمرارية تدفق الرسوم الدراسية عليها. ولعل جميعنا يدرك ما يعنيه بقاء الطفل الصغير في حافلة مدرسية مهما كانت جودتها مدة ساعة كاملة وهي تتقاذفه يمنة ويسرة، صعودا وهبوطا بين الحارات والاحياء السكنية، تتوقف ثم تنطلق من جديد بتواتر مستمر لتجمع ركابها من الطلبة الذين كتب لهم ان يكونوا ضحايا الدراسة في مثل هذه الرياض، معاناة قد لا يطيقها بعض الكبار في مركباتهم الخاصة، فما بالك بأطفال معلقين بين سقف وارضية الحافلة. قبل ايام اعلنت بلدية دبي عن اعداد الدليل الاسترشادي لتطبيق اللوائح الصحية والبيئية في المدارس ورياض الاطفال ودور الحضانة، والذي حدد من بين قائمة الاشتراطات الواجب اخذها في عين الاعتبار الا تزيد مدة ركوب الطلاب في حافلة النقل على 30 دقيقة للمرحلة الابتدائية ، وان لاتزيد على ساعة واحدة لطلاب المرحلة الثانوية، وجاء في الدليل انه يمكن التحكم بهذه المدة وفق الظروف المحلية. وعلى الرغم من ان ارض الواقع لا تتوافر فيها ما نسبته 80% مما جاء في الدليل الاسترشادي من اشتراطات ـ في الوقت الراهن على اقل تقدير ـ الا اننا نأمل ان يحدث بالزام تطبيقه نقلة نوعية في المعايير الصحية والبيئية التي نحن في امس الحاجة الى تفعيلها وتجسيدها واقعا معاشا. ان مصير أبنائنا الدراسي، ومدى شغفهم بالعلم وتعلقهم بالمدرسة يبدأ منذ اللحظة الاولى التي يخطون فيها الى رياض الاطفال، ومن بابها تبدأ علاقتهم بالمحيط الخارجي، وهو امر تعرفه جيدا بعض ادارات المدارس الخاصة رغم ذلك فانها لا تراعيه الاهتمام اللازم. فلا يعود الطفل راغبا في الالتزام بالذهاب الى الروضة، لا لانه يكره المدرسة، ولكنه لا يطيق الوسيلة التي تنقله اليها، فهو وان وجد المرافق فانه لابد ان يلقى بعض المضايقات من زملائه في المراحل الاعلى والذين تتفاوت اعمارهم عن سنه، خصوصا مع طول المشوار الى المدرسة. واخيرا فان البشرى التي زفت الينا، انما تكرس استمرارية المأساة، التي يتجرعها الاطفال مرتين في اليوم، طوال العام الدراسي، ومع ذلك فانهم لا يستطيعون التعبير عن معاناتهم وزف الشكوى الى اولياء امورهم لانهم ببساطة بين مطرقة الاهل وسندان الحافلة المدرسية. darwish@albayan.co.ae