الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 الذين راهنوا على يوم يشهد فيه اختفاء مجلس التعاون الخليجي عن خارطة التكتلات في العالم عند بداية قيامه جاءهم وقت وصححوا فيه خطأهم ومنهم من امتدحه وامتدح بقاءه، والذين جزموا ان المجلس في صوره الاولى والحالية هو شكلي ولا وجود لتأثيره على ارض الواقع، وجدوا في نهاية المطاف عكس ما تخيل لهم. لكن المجلس ومنذ ولادته واكبته أحداث خطيرة كانت في كل مرة من مراتها هي اختبارات جديدة له، وولادات جديدة له، وكسر لمقولات تنبأت بهشاشته باكراً. وقبل انعقاد قمة الدوحة قبل يومين كان هناك سيل من التحليلات والاقاويل وصلت الى الحد الذي اعلن فيه موت المجلس، وقيل هذه آخر جلساته، ومنهم من شطحت به القراءات السياسية والاستراتيجية ليشكك في علاقات اركانه. لكن كل تلك الاقاويل وتلك القراءات أسست على ظاهر وعلى جزئيات من قشور الحقائق، وعلى علامات مؤقتة. والسبب الوحيد الذي يمكننا من خلاله ان نقول ان مجلس التعاون وجد لكي يدوم ويبقى هو دوام وبقاء شعوب دولة في دوامة المصير الواحد، وهذا الشيء لم تؤسسه دول النفط الحديثة، ولم ترس قواعده الخطط النهضوية في بلدان الجزيرة والخليج، ولم يخرج الى الوجود كنبت شيطاني، او فكرة احسن انتاجها عقل في لحظة إلهام.. انها نتيجة حتمية لشعوب تلبس ثوباً واحدا وتتنفس من خلال رئة واحدة، شعوب هي في الاصل مترابطة بصلات القربى قبل اي صلة اخرى. مجلس التعاون لو لم يعلن عن قيامه في تلك السنة فهو في الاصل قائم، واذا كان «البريستيج» السياسي وآليات العمل السياسي تتطلب اليوم عقد قمم معلنة يسمع بها القاصي والداني، فان قممه تعقد بين القادة الاهل والاخوة اصحاب المصير والهدف الواحد. هناك شيء واحد يغيب عن الذين يقرأون الحالة الخليجية قراءات خارج حقيقتها وهو انهم يتجاهلون ان الخليج من اقصى جهاته الاربع الى اقصى اطرافها الاخرى ينبض بايقاع واحد في الاعاصير ولحظات الهدوء، وان السفينة التي كانت تبحر قبل النفط من موانئه تدفعها اشرعة جمعت خيوطها وحبالها من كل شبر في الخليج، وان الريح التي تهب على ساريته هي الريح نفسها التي كانت قد مرت على الخيام في وسط الصحراء ثم طافت على القرى وعرجت على بيوت السواحل. في الخليج الحالة اخرى ومختلفة، وان اختلف الاهل، وان تفاصلوا وتنازعوا في امورهم، او دقت اسافين الخراب بين خيامهم، فهم ابناء صحراء صافية التراب ونقية، وهم ابناء الموج المالح الذي لا يفسد. للذين يطبلون للقيل والقال، نقول خسر الذين قبلكم في فلق محار الخليج!