الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 في زمن الفتن تختلط الأشياء وتنعدم الرؤية، فلا يكاد الانسان يرى يديه وكأنه في ليل دامس، من قال اننا نعلم شيئاً مما يجري حولنا؟ مخطيء من يثق في كل ما يقال وينشر ويعرض على الفضائيات، انه ليس نصف الحقيقة، انه كل شيء وأي شيء... إلا الحقيقة.. وسنفاجأ كثيراً بعدما ينتهي هذا العبث وأطنان الكذب التي تصب فوق رؤوسنا صباح مساء كالحميم.. سنفاجأ بالحقائق.. وبمواقف الذين اعتقدناهم رجالاً ومخلصين، سنفاجأ بحجم بلاهتنا وغبائنا وخسائر رهاناتنا! كنا ندّعي بأننا نعرف نصف الحقيقة.. كان ذلك في زمن مضى يؤرخ له في التاريخ بأنه قبل الحادي عشر من سبتمبر الأسود، وبرغم رداءة الزمن يومها، وبرغم حجم نكساتنا وهزائمنا وتخلفنا فقد كنّا نتباهى بأن هناك بقية من براءة وأمل وتحضر، اليوم والولايات المتحدة مخفورة بالناقلات العملاقة اليابانية، وبالجنود الألمان والفرنسيين، ومدججة بالجيش الانجليزي وبالصمت العربي الرهيب.. ما عاد هناك أي تباهٍ بأي مكتسب أو حلم.. علينا فقط أن نحلم بالديمقراطية التي أعلن عنها كولن باول في مبادرته الأخيرة، وأن نتباهى بأننا قدمنا ما تبقى منّا ثمناً لها تحت ذريعة يرددها الجميع: ماذا يمكننا أن نفعل؟ حينما تصل الأمم الى هذا السؤال وعدوها على مرمى حجر من أبوابها لا يكون مطلوباً منها سوى أن تبلع الموس على الحدين، وأن تصمت، فذلك أفضل لها من أي كلام.. فلا الزمن يتيح فرصة للأسئلة.. ولا الأسئلة تجدي نفعاً.. لا يجدي نفعاً سوى البحث عن الخلاص وعن المخلصين.. فهل لا يزال لدينا مخلصون نؤوي عندهم سفننا إذا هاج موج المحيط والخليج ودجلة والفرات في لحظة واحدة؟ إننا في زمن العتمة المرة.. نقف بانتظار الحرب لنعرف ماذا تخبيء لنا البسوس من مهالك أخرى.. فالحرب ليست نهاية الحكاية، الحرب هي البداية السوداء لحكاية أشد سوداوية مما نتصور، لقد جاء الزمان الذي يسير فيه الانسان في صحراء العرب من أقصاها إلى أقصاها لا يخشى إلا الذئب على غنمه.. ولكن هذا الزمان انتهى.. صارت الصحراء مزروعة بالناقلات وحاملات الصواريخ والمدرعات والجنود الشُقر المتعطشين للبترول.. هل جاءوا يشترون منّا البترول بالمبادرة الديمقراطية؟ ماذا لو اننا رفضنا؟ لا يحق لنا الرفض لأن المنتصر والقوي هو الوحيد الذي يحق له أن يقبل ويرفض ويملي شروطه.. أما البقية فعليهم ان يبتلعوا الموس على الحدين! البعض يرى فيهم مخلصين دون صلبان، والبعض يرى فيهم دفاتر شيكات تسحب من حسابات الأوطان لا من حسابات المخابرات الأميركية، فهذه قد خصصت لهم 29 مليون دولار تكاليف علاقات عامة وترويج يسبق حرب الحرية المنتظرة! ففي زمن الحرب يصبح أقصى الجنون أن تحلم بالحرية والأمان في أحضان من ينصب مدافعه وصواريخه في أرضك ليزرعها رعباً، ويقذفك في سجون الخوف بلا هوادة...! في زمن العتمة والحرب، يصبح الزمان انتظاراً خائباً للحرية والخلاص، ويصبح الجميع عرايا أمام مرايا التاريخ وأنفسهم، يصير التاريخ قاضياً بلا رحمة، بينما المرايا لا تعكس شيئاً، ذلك ان الجميع صاروا غباراً بعد ان أنهكهم الرحيل والتبعثر، وفتتتهم الأسئلة الحارقة الشديدة التدمير مثل أسلحة الدمار الشامل الكيميائية. الأسئلة تفتّتنا منذ قرون، والأميركيون ليسوا هم الأذكياء الذين اكتشفوا عللنا وجراحاتنا المتمثلة في فساد الحكومات والادارات والمحسوبيات والبطالة وانعدام الشفافية وتدهور مؤسسات التعليم وتدني مكانة المرأة، وتدهور التجارة والانتاج و... نحن الذين نقف في قلب الحرب والعتمة اليوم نعرفها منذ قرون طويلة.. لكن كل صرخات الاصلاح التي أطلقت ضاعت في برية التجاهل والجهل والغباء.. وحدها صرخة كولن باول تجد كل الآذان صاغية لأنها الديمقراطية المدججة بناقلات الصواريخ والجيش الأميركي وترسانة 60 دولة تقف الى جانب الولايات المتحدة وجميعها تمتلك أسلحة الدمار الشامل!