الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 إن فوز حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان في الانتخابات التي جرت في الرابع من نوفمبر الماضي بأغلبية المقاعد في البرلمان التركي ولأول مرة في تاريخ تركيا تعني الكثير للأتراك من ذوي التوجه الاسلامي، وكان من المفروض ان تعني للعرب والمسلمين أكثر. تركيا هي الدولة الاسلامية الوحيدة في أوروبا، مع ان الاسلام قد حورب فيها عند وصول كمال أتاتورك إلى الحكم بانقلاب عسكري قضى خلاله على الخلافة العثمانية، ومن ثم الخلافة الإسلامية. وخلال العقود الماضية تعاقبت على الحكم أحزاب اليمين واليسار التي تسيطر عليها عصا العسكر، أي ان الحكم الفعلي كان للجيش الى أن جاء الى الحكم حزب الرفاه المعروف بتوجهه الاسلامي بقيادة البروفيسور الاسلامي «نجم الدين أربكان» ليترأس الحكومة بالتحالف مع حزب الطريق القويم لأنه لم يحصل على الأغلبية وحاول ان يطرح أفكار وتوجهات حزبه داخلياً، أما خارجياً فسعى الى انشاء كتلة اقتصادية اسلامية، فدعا الى اجتماع قمة للدول الاسلامية الكبرى لتتوحد تحت مظلة اقتصادية في محاولة منه لتقوية العلاقات الاقتصادية والتجارية فيما بينها، لكن للأسف مع تركه السلطة لم تحاول أي من الدول الاسلامية استئناف محاولته تلك. ولأن توجهاته الاسلامية لم تنل اعجاب الأحزاب المنافسة له، وكذلك قادة الجيش، ولأن أغلب هؤلاء حامت حولهم شبهات الفساد الاداري والمالي، الشيء الذي دفع بهم الى ابعاده عن الحكم. وبعد فترة أقيمت انتخابات جديدة مع فرض حظر على حزب الفضيلة الذي يشكل خلفاً لحزب الرفاه. مع ذلك استمر التيار الاسلامي في تركيا في مسيرته بشكل قوي، دون كلل أو ملل، باعتبار ذلك واجباً اسلامياً إلى أن جاء فوز حزب العدالة والتنمية. تعرفت على «رجب طيب أردوغان» منذ سنوات عندما كان رئيساً لبلدية اسطنبول، وأول لقاء معه كان أثناء انعقاد مؤتمر المستوطنات البشرية باسطنبول عام 1996. ومع انه أُبعد وأنصار حزبه عن المشاركة في هذا المؤتمر، إلا ان بلدية اسطنبول برئاسته أقامت على هامش المؤتمر معرضاً للخط العربي، أغلب معروضاته كانت من الآيات القرآنية الكريمة. وبعد ذلك استمرت علاقتنا خلال زياراته إلى دبي ولقاءاتنا المختلفة هنا وهناك، عرفته عن قرب وتعرفت على أفكاره وتوجهاته وانتمائه الاسلامي، انه رجل مؤمن، متمسك بالاسلام، لكنه معتدل منفتح على الغرب. في آخر لقاء معه العام الماضي كان واثقاً من فوز حزبه بأغلبية المقاعد في البرلمان التركي، تناقشت معه حول مستقبل تركيا في ظل الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها الآن، وهل يستطيع النهوض بهذه الأوضاع خصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر؟ وعن مدى تقبل الجيش له وكذلك الحكومات الغربية وبالذات الولايات المتحدة الأميركية. وكان الرجل متأكداً وواثقاً من قدرته على حكم تركيا بلا منازع وبلا مشاكل. «رجب طيب أردوغان» أقرب الى الشرق المسلم وميال الى الصداقة العربية، مع ذلك فأول عمل قام به هو التوجه الى دول أوروبا لاقناعها بقبول انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، ومع انه قد حصل على وعد من بعض الدول الأوروبية ودعم أميركي، إلا ان قمة الاتحاد الاوروبي التي انعقدت مؤخراً قامت بتعليق انضمام تركيا الى عام 2005. والغريب في الأمر ان قبرص قد تكون في طريقها الى الانضمام قبل ذلك، فأين قبرص من تركيا؟ قوة وعدة وقرباً لأوروبا!! من هنا يتضح ان التردد الأوروبي سببه ان تركيا دولة اسلامية ليس إلا، ونحن العرب والمسلمون نتجاهل ذلك.. أليس هذا غريباً؟ بعد فوز حزب العدالة والتنمية كان من المفروض أن يكون الدور العربي أكثر تقرباً ودعماً لهذه الحكومة لأنها أكثر وضوحاً في توجهاتها، وكان لابد من كسبها، مع ذلك لم يحرك العرب ساكناً، بل ان بعض زعماء العرب هاجمها بشراسة وكأنهم نسوا ان القاعدة الدبلوماسية تقول: إذا أردت ان تكسب عدواً صادقه، فما بالك بجار اسلامي يتقرب ويتودد إلينا، وقد تكون توجهاته في المستقبل أقرب لنا من أقرب صديق، ألم يكن ذلك غريباً؟! أما بعض المثقفين والكتّاب العرب فقد كانوا أكثر تطرفاً، حيث شكك البعض في توجهات الحزب وقيل انه أميركي التوجه غربي القناع، مبررين ذلك بمبادرته للانضمام الى الاتحاد الاوروبي وتحالفه مع أميركا، والغريب في الأمر ان هؤلاء الكتّاب يهاجمون الاسلاميين «المتشددين» كما يقال عنهم بشدة، فهم لا تعجبهم حكومة اسلامية معتدلة متمسكة بالديمقراطية ومنفتحة كالتي يمثلها حزب العدالة والتنمية ولا العكس!! هل على الرجل أن يرتدي عمامة ويخطب في المساجد ليثبت انه مسلم؟ ثم بعد ذلك ينقلبون عليه ويقولون انه أصولي متطرف وارهابي! يبدو لي ان هؤلاء الكتّاب أبعد من أن يكونوا من المسلمين وعن القضايا العربية، انهم في الحقيقة تلاميذ المدرسة الأميركية ويتلونون كما يريدهم استاذهم!! ألم يكن الأحرى بهؤلاء الكتّاب أن يكتبوا عن هذه الحكومة في بدايتها بأسلوب متفتح ومنطقي لكسب صداقتها في انتظار ما سوف تسفر عنه الأيام والشهور المقبلة؟ ألم يكن من الواجب علينا حكومات وشعوباً السعي إلى التقرب من هذه الحكومة بعد عداء من صنع الاستعمار استمر عقوداً، وخلافات من صنع المصالح استمرت أعواماً؟! أم علينا انتظار قرار أميركي كما هو حاصل ويحصل في كل قضايانا العربية؟!!