الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 في الاسبوع الماضي صدرت في الخرطوم دعوة إلى اعطاء أهل شمال السودان حق تقرير المصير بهدف الانفصال عن الجنوب ورغم ان الدعوة لم تصدر عن متحدث باسم الحكومة وبصورة رسمية إلا أن الشخصية التي أطلقتها شخصية بارزة في الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني». ولاأدري ان كانت هذه الدعوة سوف تلقى استجابة داخل صفوف الحزب الحاكم لكن مما لاشك فيه أن أصداءها تتردد حاليا بين فئات الجماهير في السودان الشمالي. فالسؤال الذي طرحه د. الطيب مصطفى الذي يتولى حاليا منصب الأمين العام للمجلس القومي للاتصالات في الخرطوم جدير بالتفكير في اوساط النخب الشمالية. فهو يتساءل لماذا لا تتاح الفرصة لشعب السودان الشمالي لممارسة حق تقرير المصير مثلما هي متاحة للشعب الجنوبي. وفي الاطار الاوسع يتخذ التساؤل صيغة اكبر: ايهما جنى على الآخر: الشمال أم الجنوب؟ وفي دعوته الى الانفصال بين الشمال والجنوب يذكر د. الطيب تلك الفوارق الاساسية بين الشعبين من حيث اختلاف الدين واللغة والعرق والتقاليد والوجدان والمشاعر.. ومن ثم يتساءل: ما جدوى استمرار الوحدة بين شعبين ما يفرق بينهما أكثر مما يجمع؟ وربما يقول قائل: اذا كان الشعب الجنوبي نفسه لا يرفض الوحدة مع الشمال.. أليس الأجدر بالشماليين ان يكونوا أكثر حماسة للوحدة؟ وقد يشار في هذا الصدد إلى الطروحات العلنية التي تصدر من حين لآخر في حركة قرنق. ومن ناحيتي شخصياً أقول ان نخبة المثقفين الجنوبيين ـ بمن فيهم جون قرنق واعضاء تنظيمه ـ يرون الوحدة مع الشمال من منظور ابتزازي، فقد ظلت الأجيال المتعاقبة لهذه النخبة منذ الاستقلال في منتصف خمسينيات القرن الماضي تستغل الحرص الذي يبديه السياسيون الشماليون على الوحدة لتفرض مطالب جنوبية غير معقولة على الشماليين. وهذه المطالب قد تتعلق بأوضاع جماهير الشعب الجنوبي عامة أو تتعلق بطموحات ذاتية على المستوى الشخصي.. وهي في كل الأحوال تستند الى نهج ابتزازي. ان الاثم التاريخي الذي ارتكبه القادة السياسيون الشماليون في حق شعبهم الشمالي هو تجاوبهم مع هذا النهج الابتزازي، ولو اشهر هؤلاء القادة في وقت مبكر شعار الانفصال الشمالي عن الجنوب، ولو من قبيل «التكتيك» لاختلف الأمر. ان القضية الان، بعد مرور ما يقارب نصف قرن على ما اصطلح على تسميته بمشكلة جنوب السودان، لم تعد تحتمل مناورة، فان كان للحرب التي ظلت تدور بين الجنوب والشمال لمدى التسعة عشر عاماً الأخيرة اي نتيجة ايجابية فهي انها أوضحت اكثر من اي وقت مضى الفوارق والتناقضات الاساسية بين شعبين. لقد اعاد د. الطيب إلى أذهاننا ان الوحدة بين شمال السودان وجنوبه فرضها على الشعبين الاستعمار البريطاني دون مشاورة أي منهما. وهذه حقيقة تاريخية ثابتة. فالسودان بمساحته الحالية وحدوده الدولية الراهنة هو إحدى نتائج التقسيم الاوروبي للقارة الافريقية. وكما هو معلوم فان معادلة التقسيم كانت مستوحاة من مصالح القوى الاوروبية الاستعمارية اكثر مما كانت مستوحاة من اعتبارات وشائج القربى أو عناصر التناقض الثقافي بين القوميات والقبائل والشعوب الافريقية. من هنا كان ضم ما يسمى الان «جنوب السودان» الى ما يسمى الان «شمال السودان» خطأ جسيماً افرز وحدة اصطناعية مفتعلة. هنا تكمن جذور المشكلة المعقدة التي نراها اليوم. لهذا أقول ان اي محاولة لايجاد حل للمشكلة لن يكتب لها نجاح مستديم إذا لم تخاطب هذا الخطأ التاريخي الجسيم. وبكلمات اخرى فان الحل الامثل للقضية هو تصحيح هذا الخطأ عن طريق الفصل الكامل بين الشعبين. ومن جديد ما طرحه د. الطيب مصطفى انه دعا الى انشاء «حركة شعبية لتحرير الشمال» وهي في تقديري دعوة منطقية. فعل مدى نصف القرن الاخير ظلت القضية تعالج من منظور شعب الجنوب فقط. وقد آن الأوان ايضا لتصحيح هذا الخطأ. ذلك انه لشعب شمال السودان ايضا قضيته. فحتى اذا وقع اختيار شعب الجنوب على الوحدة من خلال تقرير المصير فان اهل الشمال قد لا تتوافر لديهم رغبة في الوحدة.