الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 كما كان متوقعاً، لم يشكل فوز الجنرال عمرام ميتسناع وصعوده إلى قيادة حزب العمل نافذة إنقاذ لعملية التسوية المأزومة، بالرغم من التصريحات السلامية التي أطلقها مؤخراً . ففي الانتخابات التي جرت يوم 11/12/2002 لتحديد قائمة الحزب لانتخابات الكنيست السادسة عشرة ـ وهي الانتخابات التي تسمى بانتخابات البرايمرز ـ وقعت الصدمة المفاجئة عند من راهن على دور خاص قادم للجنرال ميتسناع. فقد صعد إلى المقاعد المضمونة ـ المحصنة ـ غلاة وصقور العمل يتقدمهم اليهودي العراقي البصراوي الجنرال بنيامين بن اليعازر، والجنرال ميتان فيلنائي، وقائد الموساد السابق داني ياتوم، والجنرال أفراييم سنيه، بينما تراجعت أسماء جناح الحمائم إلى الخلف وأطيح برموزهم إلى خارج المواقع المحصنة، الأمر الذي فتح المجال أمام استبعادهم من إمكانية الفوز في انتخابات الكنيست القادمة. وهكذا حل يوسي بيلين، تسالي ريشف، ياعيل دايان في أخر القائمة، مما حدا بالوزير السابق يوسي بيلين والنائبة ياعيل دايان للانسحاب من حزب العمل والالتحاق بحزب ميرتس الذي يمثل تيار «اليسار الصهيوني». وبالمحصلة المنطقية، نستطيع القول إن قائمة حزب العمل لانتخابات الكنيست القادمة تحمل بين ثناياها مجموعة العسكر وجنرالات الأمن الذين لايختلفون في الجوهر عن عتاة الليكود، وبها يعود حزب العمل إلى جذوره وسياساته البراغماتية التي تخفي القسوة والتشدد تحت لحاف ناعم، متماهين في هذا مع ارث الحزب من بن غوريون إلى ليفي اشكول إلى غولدا مائير عندما كان الحزب يحمل تسمية «حزب الماباي». وعليه أبرزت صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلية تعليقاً ساخراً يوم 12/12/2002 قالت فيه: «بعد قائمة العمل الجديدة المحصنة لن يستطيع أحد أن يقول إن ميتسناع يوسي بيلين مع لحية». والمنتصر الأعظم في انتخابات البرايمرز هم الجنرالات، فقد صعد صقور العمل إلى القائمة المحصنة فيما بلغت نسبة الناخبين في الحزب بحدود 60 % من الأعضاء، بينما 70 % من الإطار الناخب هم من جيل الأربعين فما فوق، ونسبة 30 % من جيل 60 فما فوق، وثمة للكيبوتسات وزن أعلى بعشرة أضعاف من الحضور المديني . وعلى هذا فان جيل حزب العمل الذي صاغ القائمة المحصنة الجديدة لأعرق وأقدم الأحزاب الإسرائيلية، هو مزيج من الجيل القديم والمتوسط والجيل الجديد في الوعي والتكوين السياسي الناضج من الوجهة العلمية والعملية ويساوي في المجتمع اليهودي على أرض فلسطين نسبة واحد إلى كل ستة ناخبين، وبالتالي صاغ العودة إلى السياسة الأصل التي حكمت تاريخ «الماباي» الحزب الأم، وحددت طريقه وفق أربع مسلمات: 1ـ تجنب أية هوامش ـ ولو محدودة ـ من اللاتطابق في السياسات الإسرائيلية مع الإدارة الأميركية. 2 ـ تحاشي وضع الدولة العبرية أمام أجواء ناقدة للسياسات الإسرائيلية من قبل المجموعات الدولية المؤثرة. 3 ـ إبداء المرونة في السياسة العملية البراغماتية في التسوية مع الفلسطينيين والتشدد في المضمون. 4 ـ تجنب إبقاء كرة الحدث في الملعب الإسرائيلي . وبمطلق الأحوال، إن النتائج التي أفضت إليها انتخابات حزب العمل للكنيست القادمة، نغطي مدلولات هامة لايمكن التقليل من شأنها، وبذات الوقت من الخطأ المبالغة فيها، والانطلاق منها نحو بناء أوهام جديدة بهذا الاتجاه أو ذاك، خاصة بعد أن غاصت عجلات التسوية في مستنقع مواقف التشدد الإسرائيلية والانحياز الأميركي، وفي بحور الدم الفلسطيني. فاستقالة يوسي بيلين، ياعيل دايان، والتصريحات التي صدرت مع إعلان القائمة المحصنة للحزب تشي بأن هدوء العاصفة الحزبية الداخلية لحزب العمل لن يستمر طويلاً، وستعود مترافقة مع التفاعلات السياسية لتتصاعد داخل قيادة الحزب وفي ميدان القاعدة المؤلفة لها والتي يربو عديدها إلى نحو 114 ألف عضو على خلفية الموقف الإسرائيلي النهائي من الاستحقاقات المطلوبة لشق طريق سلام الشرعية الدولية، فضلاً عن عوامل إضافية في مقدمتها التناقضات الطبقية أولاً حيث التأرجح المتواصل هبوطاً في مستوى دخل الطبقة الوسطى التي تشكل مفاصل وأعمدة الحزب واتساع الفارق الطبقي بين القاعدة والقاعدة الوسطى والصف القيادي الأول، والتناقضات بين مجموعتي الإشكناز (أباء الحزب) الذين ضمنوا 17 مقعداً في القائمة المحصنة، والسفارديم (دخلاء الحزب) حيث الإقصاء الشرقي ثانيا حيث بقي لهم 11 مقعداً في القائمة المحصنة. وكلها تناقضات بدأت تتشبع داخل الحزب، الذي كان دائماً حزباً تلاحقه عيوب الثغرة المتسعة لصالح الاشكناز. فضلاً عن فقدان الحزب للبرنامج السياسي، وصعوبة الوصول إلى تحقيق رسالة برنامجية موحدة له تجاه القضايا والعناوين السياسية المطروحة وتعقيدات التسوية مع الجانب الفلسطيني على ضوء الانقسام الراهن بين تياراته. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق