الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 يبدو أن نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني يكاد يصبح لغزا!! ففي النظام السياسي الاميركي القائم على دعائم مؤسساتية راسخة يصبح البعد الشخصي محدودا، وعندما يكون الشخص الذي يتمحور حوله اهتمام غير طبيعي ليس الرئيس.. يصبح الأمر مدعاة للدهشة والتساؤل في بلد ديمقراطي نظامه رئاسي. ويشيع في الكثير من التحليلات السياسية التي تتناول بنية الإدارة الاميركية الحالية وصف تشيني بأنه «الرجل القوي»، وهو - مرة أخرى - أمر غير مألوف في السياسة الاميركية. ويقترن اسم تشيني بالمواقف الأكثر تشددا في السياسة الخارجية الاميركية، بل أحيانا يبدو كما لو كان «قبضة حديدية» تختفي وراء قفاز اسمه «جورج بوش». ولا يكفي لحل ما يبدو أنه لغز كون تشيني أحد المحسوبين على الجناح المتشدد في هذه الإدارة «الصقور»، فهناك أيضا في هذا الجناح كوندوليزا رايس وولفيتز وآخرين. وخلال أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان من الطبيعي أن تتخذ إجراءات أمنية خاصة لحماية كبار المسئولين في الإدارة الاميركية، وقد أعلن - آنذاك - عن نقل عدد منهم إلى «مكان آمن». لكن الشهور القليلة التي تلت الأحداث تكرر فيها نقل ديك تشيني وحده إلى «مكان آمن» بشكل يدعو للتساؤل عما إذا كان هناك درجة من الاستهداف موجهة له بشكل يفوق الرئيس الاميركي نفسه ، ثم توالت مبررات الدهشة. واكتسب التساؤل مزيدا من المشروعية عندما نشرت، قبل أيام، أنباء عن أشياء تحدث في مسكنه تثير - حسب وصف وسائل الإعلام الاميركية - «الكثير من التكهنات». ولم يكن أحد من سكان مرتفعات حي «ماساشوسيتس افنيو» الواقع شمال غرب العاصمة واشنطن، يعلم طبيعة ما يحدث في مقر سكن جار لهم هو نائب الرئيس ديك تشيني. لكنهم تعبوا من دوي الأصوات المنبعثة من موقع «المرصد البحري». والمرصد الذي افتتح عام 1893، يضم العديد من المعدات البحرية القيمة التي تستخدم لقياس الوقت ولمهام فلكية. وقد خصص لإقامة نائب الرئيس منذ عام 1974. والأصوات والاهتزازات المشار إليها تسببت في اهتزاز المنازل المجاورة لمنزل تشيني وزعزعة زجاج النوافذ بل خلع المرايا من الجدران. ويقول سكان الحي إن الأصوات الهائلة يتواصل صداها من ثلاث إلى خمس ثواني كل مرة، وأنها ظلت تتواصل يوميا، منذ قرابة شهرين بين السابعة صباحا والحادية عشرة مساء. ولم يحصل السكان حتى على أبسط المعلومات من المسئولين الحكوميين حول طبيعة هذا المشروع السري للغاية الذي تصاعدت حدة التكهنات بشأنه. وما زاد الموقف إثارة أن المسئولين الاميركيين يرفضون الكشف عن طبيعة أعمال الحفر «الحساسة والداعمة للأمن» التي تجري بالمنزل، وأبرز النظريات المطروحة أن العمل جار في بناء ملجأ سري لنائب الرئيس تشيني!! وقد اقتصرت استجابة الحكومة الفيدرالية لتساؤلات السكان على رسالة من ثلاث صفحات جاء فيها أن الدوي الهائل قد يتواصل لثمانية أشهر، وأن القوات البحرية سعت للحد من الضجيج بالتقليل من مصادره!. ولم تكشف الرسالة عن طبيعة «المشروع» نظرا لطبيعته الحساسة الداعمة للأمن القومي وللدفاع الداخلي، «ولذا» فإن معلومات المشروع الدقيقة تعد «سرية ولا يمكن الكشف عنها ». وأضافت الرسالة: «إننا محاطون بشدة بالضروريات اللازمة لتنفيذ المشروع ضمن برنامج عمل حثيث للغاية، الأمر الذي يجعل من الصعوبة علينا حصر أعمال الإنشاء على ساعات النهار فقط». وتمشيا مع المزاج الاميركي العام المحب للسخرية تحول الأمر كله موضوعاً للتندر وإطلاق النكات، فالسيدة ايز وارنر المقيمة في المنطقة تقول: «كنت قد عدت للتو من ولاية كونيكتيكت، وعندما ذكرت ما يحدث هنا لأحد أقاربي قال لي: إنه (أي تشيني)ربما يواصل الحفر بحثا عن النفط»؟!. ـ كاتب مصري