الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 قد تبدو العلاقة بين وزير الخارجية الأميركي كولن باول و بين شاعر النيل المرحوم حافظ إبراهيم بعيدة وغير متوقعة، ولكن أن يستشهد الوزير بقول حافظ الذي حفظناه عن ظهر قلب منذ نعومة أظفارنا، وهو بيت من قصيدة يربط فيها الشاعر بين التقدم و بين تعليم الفتاة، أن تتم هذه الإشارة في خطاب الشراكة للسيد وزير الخارجية الأميركي، فذلك يعني بداية خيط جديد ولو رفيع في السياسة الاميركية، ينم عن وضع مشكلات العرب الحقيقية على أجندة العمل السياسي الاميركي، ومحاولة فهمها. في السابق كانت الولايات المتحدة مهتمة بما يحقق مصالحها دون النظر الى مصالح الآخرين، وهو السواد الأغلب في المنطقة العربية التي اعتبرت جماهيره أن الولايات المتحدة تريد، مثل غيرها من القوى الاستعمارية، جلب المصلحة ودرء المفسدة، التي تحقق مصالحها، دون أن تقدم لهذه الجماهير أية فرصة للنمو الشامل أو حتى تتفهم مشكلاتها. خطاب كولن باول الذي سمي إعلاميا « مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة و الشرق الوسط» و الذي صدر في وسط هذا الشهر، ديسمبر 2002 يتلمس قارئه أن فيه ثمة اهتمام حقيقي بمستقبل المنطقة، ولكن هذا الاهتمام في الوقت الذي يسعى لتأييد بعض السياسات العامة، يفتقر الى البوح بآليات محددة حول كيفية تحقيق هذه السياسات. عند قراءة المبادرة بتفاصيلها، لا يستطيع المتابع إلا ان يقر بأهمية الأفكار الواردة فيها، وهي أفكار تعتمد في اغلبها على التقرير الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وشارك فيه خبراء عرب منذ اشهر، وسمي بتقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002، قوبل هذا التقرير من جهات عربية وعالمية بالترحيب، و انتقد من جهات أخرى. وان كان هذا التقرير يستجيب لحاجات وتطلعات كثيرين من العرب، إلا انه بالتأكيد لا يمثل واقعا وصفيا لكل المدارس التنموية العربية، وربما افتقد أكثر ما افتقد، تصورا لكيفية إقناع الرأي العام العربي بأهمية هذه الأفكار، وارتباط مصالحها بتحقيقها. قراءة ناقصة ليس كل العرب مؤمنين بالأفكار العامة التي طرحت في ذلك التقرير، مثل حتمية ارتباط التنمية السياسية بالتنمية الاقتصادية، أو أنها الطريق الوحيد للتنمية المرتجاة، لان هناك صيغا أو اولويات أخرى لدى البعض مثل تحرير فلسطين، أو منع المرأة من المشاركة في الحياة الاقتصادية، كوسيلة لفتح الطريق للرجل لحصوله على وظيفة! أو غيرها من الصيغ التي نجحت في مجتمعات أخرى. من هنا فان إعلان المشاركة رغم حثه على قراءة الواقع كما هو، افتقد قراءة الواقع في الحقيقة، وافتقد أكثر وفي الأساس معالجة الطريقة التي يمكن بها تغيير توجهات الرأي العام العربي، الذي خضع لسنوات طويلة لتشكيل من نوع آخر، نوع من موانع ثابتة ومفاصل معادية للحياة الحديثة. الذي سكت عنه خطاب المشاركة للسيد وزير الخارجية الاميركية، وأشار اليه فقط من بعيد، هو المنطقة الجغرافية المستهدفة في الخطة، فلقد أشار الى الدول ما بين البحر الأبيض المتوسط والخليج، وهي إشارة للعرب، وربما الى منطقتين على وجه الخصوص هما مصر و الخليج، حيث يعتبر أن معظم أفراد «القاعدة» قد قدموا من هاتين المنطقتين، ويشير خطاب باول الى ذلك بقوله «من المفجع أن ألافا من رجالنا ونسائنا ماتوا في 11 سبتمبر 2001، على أيدي إرهابيين ولدوا وأصبحوا راديكاليين هناك» في هذه اشارة ما لا يتطرق اليه الشك أي منطقة معنية أولا بالشراكة، و أي منطقة عربية معنية بقبول الأجندة الاميركية الجديدة كما وضحت خطوطها العامة في خطاب وزير الخارجية الاميركي، انها الخليج. هذه المنطقة التي هدد بعض الكتاب الاميركيين الى «تحويل نفطها الى بصل» هي المعنية أولا بالأجندة الجديدة، وهي دول الخليج و مصر. إلا أن ردة الفعل القادمة من دول هذه المنطقة المعنية بالتغيير مازالت في حدود الدفاع السلبي عن النفس، بدلا من العمل الايجابي، و ربما كان أول خطوات العمل الايجابي هو مصارحة الرأي العام بما يجب أن يتم، دون البحث عن ذرائع أو تسويفات، وما دمنا نغذي الرأي العام بأفكار خاطئة خوفا من « انقلابه» علينا، فلن نقدم له الأفكار الصحيحة من اجل تغييره الى الأفضل. وفي تاريخ منطقة الخليج على وجه الخصوص، تقدم رجال كبار وتاريخيون الى الرأي العام بأفكار صحيحة، واستطاعوا في الوقت المناسب أن يغيروا في توجهاته ، وكان ذلك في مواجهة تيارات مضادة للتغيير، لم تكن ضعيفة أو قليلة. يحدثنا تاريخنا في القرن العشرين عن مواقف المغفور له الملك عبد العزيز، و الذي يريد أن يقرأ التاريخ سيجد أن الرجل قد واجه من الصعوبات ما تهد الجبال لا الرجال، ولكنه وقف أمامها صلبا مبديا قناعته الواضحة في التغيير، لقد احتج عليه البعض باستعمال الآلات الحديثة وقتها، على أنها خارجة عن التقليد و التراث بل والدين، فقاوم ذلك الاحتجاج بما أوتي من بصيرة، وكان يتبنى الأفكار التي تساعد على بناء الدولة الحديثة بصرف النظر عن أي مصدر جاءت، ما دامت تقدم للدولة الناشئة الأمان و الاستقرار، وتبعه المرحوم الملك فيصل، و القصة المشهورة في وقوفه صلبا رحمه الله مع تعليم البنات وهي معركة لا تحتاج الى ترديد، وهكذا فعل المرحوم عبد الله السالم في الكويت، فقد تبنى، رغم معارضة من هم في السلطة و القوة، مسيرة الديمقراطية في الكويت، حتى سماه الكويتيون في تاريخهم الحديث بأبي الديمقراطية، وهكذا يفعل اليوم الملك حمد بن عيسى رغم ما يكتنف مشروعه من مقاومة من القوى التي تريد الأمور أن تسير كما كانت، وهكذا فعل صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث حول منطقة بأسرها الى دولة حديثة ،ولم يبخل في مناصرة حركة التطوير و التغيير بمال أو وقت، وقبل كل الأفكار الحديثة للدولة. معضلة التغيير المعضلة إذا في التغيير في منطقتنا هي « غياب الرؤية» أكثر منه «افتقاد القدرة»، فالقدرة على التغيير موجودة، حيث لا تكبلها قوانين، و لا تعترضها عقبات مادية أو معنوية. والرؤية تقول لنا أن من دول العالم المستقلة البالغ عددها أكثر من المائتي دولة تقريبا، هناك حوالي المائة و العشرين منها تتبني شكلا من أشكال الديمقراطية الحديثة. لقد باتت الديمقراطية سلوكا من الصعب عدم التوافق معه أو منعه، إلا أن قطاعا واسعا من العالم العربي لم يصل بعد الى تلك القناعة، أما إذا كان عدم وجود الحريات أو النقص في العناية القانونية بحقوق المواطنين نساء ورجالا، يعيق التنمية الحقيقية، فذلك لا يحتاج الى خطاب شراكة من السيد كولن باول أو برهان، يكفي انه قد أشار الى قول حافظ إبراهيم أن «الأم مدرسة» غير أن آلاف الكتب التي نشرتها النخبة العربية على امتداد قرن كامل تؤكد أهمية ومركزية تلك العلاقة، ففجوة التخلف التي نشتكي منها هي في نفس الوقت فجوة الأمل، وهي أن يصل متخذ القرار الى اقتناع أن الوقت قد أزف لتكوين الرؤية، مهما كانت آلياتها تبدو صعبة للبعض. كولن باول في خطاب الشراكة ردد رفضه لمقولة خاطئة هي أن بعض الثقافات لا تقبل الحريات، وهي مقولات لا تتنافى مع الحقيقة فقط، ولكنها تتصادم مع الأمل أيضا، فليس هناك تصادم حضارات عندما يتعلق الأمر بالحقوق و الحاجات للإنسان، سواء كان هذا الإنسان في اميركا أو آسيا أو الشرق الأوسط، بوذيا أو مسلما أو من أهل الكتاب، ولعل من نافلة القول ترديد الحقيقة التاريخية أن المسلمين بعد دخولهم لإيران اعتبروا الزرادشتيين أهل كتاب. ليس في ما جاء به خطاب الشراكة الذي قدمه باول شيء جديد لم تطالب به النخب العربية على مر السنين. ما عطل المسيرة و أقعدها هو ضيق مساحة الحرية التي ابتلينا بها، والتي ولدت فيما ولدت موجه الإرهاب، الجديد فيه أن قائله هو وزير الخارجية الاميركي، وان مقولاته يمكن أن تتحول الى سياسة متبعة. ولان التاريخ قد علمنا أن لكل فعل رد فعل، فقد كان جزءاً من ردة الفعل على ضيق الحريات هي التعصب الأعمى. وإذا كان لخطاب المشاركة الاميركية أو خطتها ايجابية تذكر، فأنها قد أعادت طرح ومناقشة ما نوقش عشرات المرات، إلا أنها هذه المرة جاءت بلسان اميركي. ـ كاتب كويتي