الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 كثيرا ما وقفت المخصصات المالية ذات السقف المتوسط او المنخفض حجر عثرة في طريق تحقيق الأهداف الاستراتيجية لاي مؤسسة وطنية. وكثيراً ما حملت الموجات الصوتية زفرات حارة من هنا وهناك على قلة الموارد المالية مصحوبة باعلان حالة يأس من امكانية مواكبة التطور الصناعي الذي يشهده العالم في ظل موارد مالية محدودة، وانخفاض ملحوظ للميزانيات المخصصة للبحوث والمراكز العلمية. ولم يلتفت اولئك الغيورون على مستقبل النهضة العلمية في اوطاننا العربية الى ان الاستمرار في طرق موضوع البحث العلمي من الزاويتين الشهيرتين اللتين كررتا على مدى العقود الثلاثة الاخيرة قد افرز حالة من اليأس والاحباط والشعور بان القدرة على مواجهة تحديات مرحلة النهوض والمشاركة في صناعة منتجات الحضارة هو امر في حكم الخوارق، ويحتاج الى معجزات حقيقية لا يصنعها العرب ابناء هذا الزمن الصعب الا اذا اتت نجدة من السماء لتعدل الميزان المائل لغير صالحنا منذ قرون. ولتدخلنا ـ تلك النجدة المعجزة ـ الى بوابة النجاح الكبرى حيث حينها سيعرف العالم من نكون، وسيحيينا مرغما ام طائعاً!! وقد حدثنا الراصدون والمتابعون لحركة انسياب العقول العربية نحو بلاد الغرب، ان تلك الموجات المتوالية من الهجرات النوعية قد اسدلت الستار على اي فرصة لاستثمار الذكاء العربي الذي رحل قاصدا بلاد الحرية والبحث والمعرفة. كما حدثونا عن محدودية المخصصات المالية للابحاث العلمية، ووصفوها بانها الضربة القاضية التي القت على قارعة الطريق كل امل في رؤية غدٍ افضل لامة ظلت الشمس بازغة على ربوعها طيلة الف عام!! وهكذا تمزقت الاهداف الكبرى تحت اقدام الحقيقة الماثلة، وانخفضت المعنويات، وعمت حالة من غياب التحفيز الداخلي، ومن العجز عن رفع سقف التوقعات!! فالاحلام الكبيرة هاهي تتكسر جملة واحدة على صخور الواقع، وما اقسى صخوره التي وقفت لتسخر من تلك الاماني، وتستخف باصحابها. غير ان ثمة امورا مهمة كان من الاولى الاخذ بها بعين الاعتبار في ظل هذه القناعات السلبية التي لا ينكر عاقل انها نتجت عن واقع مؤلم وقاسٍ بل ومتدهور، الا ان رصد الواقع شيء، واعلان العجز عن تغييره شيء آخر!! وقد ضيع الافراط في الحديث عن شواهد تدهور الواقع زمنا طويلا كان يمكن توظيفه في العمل لا في البكاء على الحال، واعلان استقبال العزاء في حضارة الاجداد التي آلت الى الغرب عن جدارة منهم وضعف منا!! وقد بلغ تكريس البعض لحالة الندب والبكاء على وقوفنا في ادنى نقطة من المنحنى الحضاري انهم اصبحوا مروجين لثقافة الاستسلام سواء أعلموا بذلك ام جهلوا النتائج المترتبة على وقوفهم في تلك الدائرة المغلقة. وقد يحتج البعض بحسن النية، وان اولئك الذين يمطروننا بالارقام المتدنية لحجم مخصصات الابحاث العلمية هم احرص الناس على تغيير هذا الواقع. ولا يجادل احد في سلامة نواياهم، وصدق انتمائهم، بل وفي غيرتهم الشديدة على مستقبل اوطانهم وامتهم. لكن الغيرة التي لا يصاحبها عمل تصبح عبئاً على صاحبها. حيث يظل يشتعل من الداخل أسى وألماً على حال اقنع نفسه انه لن يتغير في الزمن القريب القادم!! وهكذا وضع من احسنوا النوايا شروطا مثالية لتحسين الظروف الداخلية رغم علمهم انه ليس بالامكان تحقيقها في اللحظة الراهنة. ثم حكموا على هذا الواقع بالعقم، وعدم القابلية لتمثل شروط النهوض الحضاري بل واستحالة حدوث التغيير. فهل اثمرت غيرتهم عن عمل أم انها خلقت بيئة طاردة للافكار الواعدة؟! اجابة هذا السؤال وردت في ثنايا الحديث، وثمة تفاصيل اخرى نرجئها الى الغد باذن الله.