الثلاثاء 20 شوال 1423 هـ الموافق 24 ديسمبر 2002 لا أعلم ما إذا كان معظمنا كعرب يدرك حقيقة المصيدة التي تجرنا اليها الولايات المتحدة بسهولة بالغة أم لا؟ أعلم أن الكثيرين منّا قد ملّوا قراءة كل ما يتعلق بخطط الحرب الأميركية ضد العراق، وربما صرت واحداً من هؤلاء لولا ضرورات العمل. لذلك سأحاول الابتعاد قليلاً عن الحديث في المضمون أو الحشود التي يتزايد عددها حول العراق من كل صوب وحدب للحديث عن جزئية تتعلق بالشكل، وهي ما أعتقد أنها «مصيدة أميركية» يتم نسجها وإحكامها كل يوم عبر آلة الإعلام الجهنمية. وأغلب الظن اننا سنقع داخلها لا محالة طالما استمر الأداء العربي على ما هو عليه. المصيدة بدأت عقب نهاية ضرب أفغانستان بتكثيف الحديث عن علاقة العراق بتنظيم القاعدة، وتسويق القصة الوهمية حول لقاء محمد عطا بأحد ضباط المخابرات العراقية في العاصمة التشيكية. ورغم ان القصة تم نفيها تماماً من قبل المخابرات الأميركية نفسها، لكنها كانت قد أدت الهدف المقصود منها، بعد ذلك جرى الحديث عن اسلحة الدمار الشامل، وبدأت واشنطن في التأكيد كل يوم بأنها ستضرب العراق منفردة، وعندما هاج الرأي العام الدولي والعربي بأنه يرفض ذلك الاستفراد، ثم وافق العراق على استقبال المفتشين، قبلت واشنطن الذهاب الى الأمم المتحدة التي خيّرها بوش بين نهاية دورها أو الموافقة على طلباته، واعتقد البعض منّا بسذاجة منقطعة النظير أن أميركا تنازلت، لكنها في النهاية حصلت على قرار دولي بموافقة عربية يعطيها إما حق تدمير العراق عسكرياً، أو في أسوأ الأحوال بالنسبة لها فرصة زيادة قواعدها ووجودها العسكري في كل المنطقة، حتى في حالة استجابة العراق لكل شروطها التعجيزية.. الخطوة التالية كانت ذهاب المفتشين ونبشهم في كل كبيرة وصغيرة بالعراق الذي سلّمهم كل ما يريدونه من وثائق يعجز عن جمعها جيش من الجواسيس لمئات السنين. أما أحدث حيل المصيدة الأميركية الآن فهي اعلانها ان العراق ارتكب خرقاً مادياً لقرار الأمم المتحدة رقم 1441، ومرة أخرى يتكرر السيناريو نفسه، ويتحدث الجميع بأن تحديد وجود خرق مادي يتطلب اجماعاً دولياً من مجلس الأمن. وننسى ببلاهة شديدة ان كل دول مجلس الأمن قد أودعت قرارها ومشيئتها في يد واشنطن سواء حباً وطوعاً كبريطانيا، أو كرهاً كروسيا وفرنسا والصين. وأغلب الظن ان الذي سيحدث في نهاية المطاف هو موافقة مجلس الأمن على كل ما تطلبه واشنطن. أعتقد جازماً ان البعض في الدول العربية يعرف حقيقة المصيدة الأميركية، وربما يكون هذا البعض قد نصح واشنطن باتباع هذه الاستراتيجية اللئيمة، لأن فوائدها عظيمة وأبسطها ان هذا البعض سيبدو أمام شعبه وكأنه لا حول له ولا قوة في الوقوف أمام الإجماع الدولي الكاسح! هذا البعض لا أمل يرجى منه، لأنه يلعب اللعبة الأميركية بوعي كامل أو عجز كامل «لا فرق»! المشكلة هي فيما يسمى بالرأي العام العربي الذي ينخدع معظمه في هذه المسرحية العبثية أو «حفلة الدم» التي نساق وندفع اليها بهدوء يحسدنا عليه أغبى الخرفان. ومن قبيل الانصاف أن نعترف بذكاء الادارة المسئولة عن الحملة الإعلامية والنفسية والدعائية الأميركية بشأن موضوع العراق، فهذه الادارة يبدو انها درست السيكولوجية العربية، وراحت تكرر رسالتها الإعلامية بكل ما تحويه من أكاذيب واشاعات ونذر يسير من الحقائق، لدرجة دفعت بعض البسطاء في عالمنا العربي ـ الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة طاحونة إعلامية لا ترحم ـ يتمنون داخل نفوسهم أن ينتهي أمر هذه المشكلة بأسرع وقت ممكن حتى لو كان الثمن هو العراق نفسه أو مستقبل الأمة العربية بأكمله. وهنا تكمن خطورة الرسالة الإعلامية الخبيثة، وللأسف فإن بعض وسائل إعلامنا العربية يقع فيها، أو ربما يشارك فيها!! هل معنى ذلك أن نستسلم ونتعامل مع المخطط الأميركي باعتباره قدراً لا فكاك منه؟ بالطبع لا، صحيح ان قيادات وجهات عربية رسمية حسمت أمرها منذ وقت مبكر بتبني الخطة الأميركية، لكن الأصح ورغم كل طنين وقرقعة الأسلحة الأميركية، فإن الأمل لم يخفت تماماً بعد، والأمل الوحيد المرتجى هو ألا يصمت أي عربي شريف. وعلى الأقل، فإذا لم يكن من الموت بد، فمن العيب أن تموت جباناً! Email: emadiraqi@yahoo.com