الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 ليلة رأس السنة الميلادية من عام 1938. كانت بودابست عاصمة المجر الجميلة قد اتخذت أبهى زينتها للاحتفال بالعام الجديد.. شاء القدر أن يضم الحفل السنوي فتاة في العشرين.. كانت رائعة الجمال نبيلة القسمات.. لكن حياتها كانت موزعة بين لقب الكونتيسة التي كانت قد ورثته وبين أحوال أسرتها المالية التي تدهورت الى حد أن اضطرت الفاتنة الشابة أن تعول نفسها فكانت تبيع الطوابع والبطاقات لزائري المتحف الوطني في عاصمة هنغاريا. في تلك اللحظة شاء القدر أيضا أن يعيد الى الأذهان ذكرى صفحة من أسطورة سندريللا.. ثمة عينان كانتا تتابعان جيرالدين بطلة قصتنا وهي تغدو وتخطر في أركان الحفل البهيج.. بعدها اقترب منها رجل كان يخطو من ميعة الشباب الى طور النضوج.. لم يستغرق تعارفهما سوى بضع دقائق.. ولم تمض سوى عشرة أيام إلا وأعلنت خطوبة الاثنين.. ويومها عرف العالم أن فتاتنا ـ بياعة البطاقات في المتحف ـ قد خطبت الى صاحب الجلالة أحمد زوغو ملك البانيا ويومها أيضا أصبحت جيرالدين هي بدورها صاحبة الجلالة الملكة المتوجة على عرش تيرانا وعلى قلوب الألبانيين. لكن تشاء الأقدار أيضا أن تقبس لحكايتها صفحات أخرى.. من دراما هوليوود هذه المرة.. كان حفل زفافها لقطة من أساطير العصر.. ثوب العرس كان مرصعا بأثمن أنواع الجواهر واللآلئ.. شهده خمسون ألفا من أطفال البانيا وهو يؤدون رقصاتهم الوطنية.. تلقت العروس الجميلة هدايا نفيسة من كل حدب وصوب.. لم يكن أقلها هدية زعيم المانيا وقتها ـ أدولف هتلر ـ وكانت سيارة مرسيدس فارهة تليق بموكب ملكي مهيب. وعندما تقدم رئيس وزراء البلاد ليقدم لها هدية مواطنيه.. وكانت عبارة عن كيس أنيق من أثمن أنواع المخمل وفي طياته جواهر تساوي 500 ألف دولار بأسعار تلك الأيام.. تفوهت الملكة جيرالدين بعبارات شكر رقيقة.. ثم أصدرت توجيهها بتحويل الهدية الثمينة الى صالح الجمعيات الخيرية للشعب الألباني.. وكان هذا موضع تقدير مواطنيها من ناحية.. ولم يفت مجلة «ذي نيويورك» الأميركية أن تسجل هذه اللفتة الملكية، من ناحية أخرى. لكن دراما هوليوود ـ مثل كل دراما في حياة البشر ـ لها وجهها الآخر.. وهو جانب المأساة للأسف الشديد.. لم يمض عام واحد على الزواج الملكي حتى تعرضت البانيا لغزو القوات الايطالية.. وحين اقتربت قوات موسوليني الغازية من العاصمة تيرانا.. وبينما كانت الملكة جيرالدين تعاني آلام النفاس.. كتبت عليها ظروف المأساة أن تخوض رحلة هرب مضنية وسط شعاب الجبال المفضية الى اليونان.. وكانوا يحملون وليدها على محف صغيرة.. بينما يحف بالموكب الهارب 150 من أعضاء البلاط الملكي الألباني وفي وسطه ملك البلاد أحمد زوغو.. وفي ركابه أيضا عشر حقائب ثقيلة استطاعوا أن يحملوا فيها أنفس وأهم ما كانوا يملكون. بعدها بدأ ملكا البانيا يعيشان أوديسة ملكية بمعنى رحلة سفر ولجوء وتنقل من بلد الى آخر ومن مكان الى مكان.. ما بين سكن في فرساي بفرنسا الى فيللا في اليونان.. الى أجنحة في فنادق بعواصم شتى.. في تركيا ورومانيا وبولندا ودويلات البلطيق والسويد وبلجيكا.. الى أن حط بهم الرحال في مصر.. مدينة الاسكندرية بالذات.. حيث منح الملك فاروق حق اللجوء وهيأ سبل الاقامة الآمنة والفاخرة أيضا لجلالة ملك وملكة البانيا سابقا. ولم يكن ذلك مجرد حفاوة تقليدية.. ولكن كان نوعا من البر بالأقارب أو أولاد البلد.. فقد كان فاروق بن أحمد فؤاد ينحدر كما هو معروف من أسرة البانية الأصل.. جاء مؤسسها محمد علي من البانيا وأنشأ نظامه الملكي الذي حكم أرض الكنانة 148 سنة (بين عامي 1805 و1953). وعندنا أن الذي أفسد أسطورة سندريللا المعاصرة كانت السياسة والعلاقات الدولية الشديدة التعقيد التي واكبت ظروف زفافها وتنصيبها على عرش البانيا.. كانت نذر الحرب العالمية الثانية قد تجمعت سحاباتها لتجلل آفاق أوروبا ـ وحين تزوجت جيرالدين من أحمد زوغو في 27/4/1938 قالت جريدة «هيرالد تربيون»: ـ يبدو أن الحسناء جيرالدين قد تزوجت محور برلين ـ روما الى جانب زواجها من ملك البانيا.. بل يبدو أنها تزوجت شخصيا السياسة الخارجية لديكتاتور ايطاليا بنيتو موسوليني. ومن عجب أن الشاهد الأول على الزواج الملكي الألباني كان الكونت شيانو وزير خارجية موسوليني وزوج ابنته أيضا.. وحين اجتاحت قوات ايطاليا حدود البانيا وصل الى تيرانا أكبر مسئول ايطالي على رأس الغزو وكان على متن طائرة قاذفة ولم يكن هذا المسئول سوى.. الكونت شيانو شخصيا. فلماذا هذه البهدلة؟.. لماذا غزت قوات الدوتشي موسوليني جارته الصغيرة البانيا لتفسد قصة السندريللا جيرالدين أبونوي التي لم تضع التاج الألباني على رأسها الجميل سوى سنة واحدة؟ السبب الحقيقي ـ يقول السياسيون ـ هو أن موسوليني كان يشعر بغيرة شديدة من صديقه ـ حليفه الألماني هتلرـ الذي قد غزا أقطارا وفتح أمصارا وبسط نفوذ برلين على معظم غرب أوروبا.. ولم يجد الحليف الطلياني بدا من أن يتشطر على بعض البلاد المهيضة الغلبانة لكي يثبت أنه بدوره فارس مغوار لا يشق له غبار.. وهكذا غزت جيوش موسوليني الحبشة في افريقيا والبانيا الجارة المهذبة المتربية في منطقة البلقان. أما الأسباب المعلنة للغزو الايطالي فكانت نوعا من التعللات أو الذرائع ـ التماحيك أو التلكيك كما يقول المصريون ـ يومها قال الايطاليون أنهم غزوا البانيا لتلقين درس قاس لا ينسى للملك زوغو الذي اتهموه بأنه قد تلاعب بالأموال التي كان قد تلقاها من ايطاليا. واذا كان العالم لم يقبل هذا النوع من التذرع أو التعلل.. فالحاصل أن ملك البانيا كان محتاطا لنفسه حيث يروي ـ والعهدة طبعا على الرواة ـ أنه حين اتخذ قرار الهروب «التاريخي» وكان ذلك في ابريل عام 1939 ـ لم يتورع عن أن يضيف رصيد ذهب البلاد الى أمتعته ومن ثم الى حساباته الشخصية التي كانت مودعة في بنوك سويسرا وانجلترا وبعد أن اطمئن أحمد زوغو على «المسائل» وجد وقتا لكي يذيع فيه بيانا «تاريخيا» بدوره أبلغ فيه «الاخوة الألبان» بحكاية الغزو ثم ناشدهم «أن يقاتلوا الى آخر نقطة من دمائهم من أجل استقلال ألبانيا» وبعدها اتكل زوغو على مولاه وشد الرحال. يقول مؤرخوه أنه كان يتوقع مثل هذه اللحظة التي يفارق فيها العرش والعاصمة والبلاد: كانت حياة زوغو سلسلة من الطموحات والصراعات والأخطار بدأ رئيسا لقبيلة وصعد الى منصب رئيس الوزراء ثم رئيسا للجمهورية، وبعدها أصبح أول ملك لألبانيا على نحو ما فعل نابليون في فرنسا قبل ذلك بأكثر من قرن من الزمن.. ولذلك كان معاصرو أحمد زوغو يسمونه «نابليون البلقان» لذلك كان أعداؤه كثيرين وحين كان خارجا من دار الأوبرا في فيينا نجا في آخر لحظة من محاولة اغتيال وكان ذلك عام 1931. ويقال أن والدة الملك زوغو كانت ترابط في موقع دائم في مطبخ القصر الملكي الألباني في تيرانا.. كي تتأكد بنفسها من أن طعام صاحب الجلالة ابنها لم تصل اليه السموم. يقال أيضا أن ملك البانيا ـ ربما لمزيد من تأمين مستقبله الى جانب حكاية الحقائب والذهب ـ كان يضع شرطا جوهريا لابد من توافره في عروس المستقبل.. لقد دفع أحمد زوغو أتعابا مجزية الى أحد سماسرة الزواج لكي يجد له عروسا لها دخل ثابت مضمون لا يقل عن مليون دولار سنويا (بأسعار الثلاثينيات حتى لا ننسى).. ولكن حين رأى صورة الجميلة جيرالدين خفق قلبه اعجابا وحين شاهدها شخصيا في حفل رأس السنة.. تحول الاعجاب الى حب دافق ودافئ وعميق. وهكذا ـ يقول الصحفي الأميركي دوغلاس مارتن ـ وقع الملك المسلم في غرام فتاة كاثوليكية خاوية الوفاض. وكم قيض لنا ـ كاتب السطور وأبناء جيله ـ أن نطالع في طفولتنا صور الملك أحمد زوغو وعقيلته الملكة جيرالدين.. كانت الصور تعكس وسامة الملك الألباني السابق فيما تكاد تشع بجمال الملكة التي كانت تتضوع أناقة كذلك. وحين انقلبت الأوضاع بعد ثورة 1952 في مصر، سافر فاروق الى منفاه في ايطاليا.. وانتقل زوغو وزوجته الى منفى جديد في باريس.. الى أن وافته المنية عام 1961 وانتقلت أرملته جيرالدين بين اسبانيا وجنوب افريقيا.. مع ذلك تأبى هوليوود إلا أن تكمل ألاعيبها مع سيرة سندريللا هذا الزمان.. منذ 4 شهور فقط.. كانت جيرالدين قد أوفت على سن السابعة والثمانين.. فوجئت برسالة من تيرانا.. من البرلمان يدعوها الى العودة للاقامة في البانيا.. وكان ابنها الوحيد «ليكا» قد عاد منذ عام 1997 ليطالب باستعادة العرش.. وربما نسي الناس أن الألبان أخذوا المسألة على محمل الجد ليعقد استفتاء شعبيا رفض اعادة العرش بنسبة اثنين الى واحد. عادت سندريللا.. عجوزا تخطو نحن التسعين كان ذلك في منتصف الصيف الماضي.. كانت عودة بعد 63 عاما من الغياب.. لكن تأبى هوليوود مرة أخرى سوى أن تضع لقطة النهاية لقصة الملكة التي لم تنعم بالعرش سوى عام واحد.. جاءت نهاية القصة حين انتقلت جيرالدين الى عالم البقاء.. كان ذلك يوم الثلاثاء 22 أكتوبر الماضي.. وأسدل الستار على حكاية سندريللا.. إبنة هذا الزمان.