الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 حتى بريطانيا ـ الحليف الأول للولايات المتحدة ـ عزفت عن تأييد الزعم الأميركي بأن العراق ارتكب انتهاكا لقرار مجلس الأمن الدولي 1441. والسؤال إذن هو: من هي القوى الدولية التي تؤيد واشنطن في هذا الصدد؟ والأجابة: لا أحد. لقد بات معلوما ان الولايات المتحدة تريد من إلصاق تهمة «الانتهاك» بالحكومة العراقية أن تبرر شن حرب شاملة على العراق تبدو وكأنها مشروعة في نظر القوى الدولية الأخرى، فتشارك هذه الدول فيها بصورة أو بأخرى أو على الأقل توافق على شنها دون مشاركة. فما هو موقف القوى الدولية؟ أحدث إعلان صدر عن الصين، فقد ذكرت الحكومة الصينية ان من السابق لأوانه القول ان العراق «انتهك ماديا» قرار مجلس الأمن الدولي وأن بغداد لديها أسلحة دمار شامل. وفي ألمانيا قال وزير الدفاع الألماني بيتر شتروك ان الحكومة الألمانية فوجئت بالرد الأميركي العدائي على ملف الاسلحة العراقي، وانتهز الوزير هذه المناسبة للتأكيد على معارضة ألمانيا شن حرب أميركية على العراق محذراً من ان «على الجميع ان يعرف ان اي حرب في العراق سوف تزهق أرواحا كثيرة منها أرواح جنود أميركيين». ومضى في تحذيره قائلا: إذا نشبت حرب في العراق فيجب على المرء حينئذ توقع ان يكون في المنطقة كلها وضع غير مستقر بشكل أكبر مما عليه الآن». الحكومة الروسية اعلنت صراحة انها لا ترى أن العراق ارتكب انتهاكا للقرار الدولي. ورغم ان فرنسا طالبت الحكومة العراقية بالمزيد من الشفافية في تعاملها مع فريق التفتيش الدولي، إلا أنها لم تذهب الى حد تسجيل ادانة على بغداد. ان هذا الموقف الدولي العام له مغزى واحد.. وهو انه في حالة ان الادارة الأميركية قررت بصورة نهائية غزو العراق فانها سوف تجد نفسها ليس موضع عزل فحسب.. بل ايضا موضع نقد صارم غالبا ما سوف يصل الى مستوى ادانة رسمية. واذا كان ليس بوسع الادارة الأميركية أن تعول على القوى الدولية الأخرى فانها لا تستطيع ايضا ان تعول على نتائج عملية التفتيش الجارية في الاراضي العراقية. هذا على الأقل ما توحي به تصريحات كل من هانز بليكس رئيس فريق التفتيش ومسئول كبير في وكالة الطاقة الذرية الدولية. لقد اتهم بليكس في مقابلة تلفزيونية الولايات المتحدة وبريطانيا بعدم تقديم معلومات استخباراتية كافية لعملية التفتيش في العراق. وتستمد تصريحات بليكس قوتها ليس من قيمتها الذاتية فحسب.. بل ايضا من توقيتها. فقد كان بليكس يتحدث بعد سويعات فقط من اعلان واشنطن ان العراق انتهك ماديا قرار مجلس الأمن. لقد كان في تصريحات رئيس فريق التفتيش انتقاد ضمني لذلك النزر من «المعلومات» التي تلقاها من واشنطن ولندن من حيث عمومية هذه المعلومات، وبالتالي خلوها من اي مضمون جوهري. وفي هذا الصدد يقول بليكس: «حصلنا على بيانات بشأن ما يعتقدون ان العراق يملكه.. لكن بالطبع ما نحتاج إليه في حقيقة الأمر ان يكون لدينا اشارة الى مكان تخزين هذه الاشياء.. إذا كانوا يعرفونه». بالطبع لا يمكن ان يقال ان دولة عظمى كالولايات المتحدة لا تملك وسائل استخباراتية قوية لجمع المعلومات السرية. فهي لديها القدرة على التنصت على المكالمات الهاتفية بمستوى العالم ولديها جيش من الجواسيس الدوليين.. ولديها أقمار صناعية تجوب اجواء العالم على مدار الساعة. ما المشكلة إذن؟ المشكلة ببساطة هي انه بعد ان حشدت الولايات المتحدة كل قواها الاستخباراتية لم تتوصل في نهاية المطاف إلى أي أدلة يعتد بها يمكن ان تدمغ العراق بأنه مازال يمتلك اسلحة دمار شامل. ومن ثم فاننا نفهم مغزى شكوى بليكس. ولو لم يكن رئيس فريق التفتيش الدولي مسئولا لدى مجلس الأمن الدولي بما في ذلك الدول دائمة العضوية النافذة فيه، لما ترددت الادارة الأميركية في «ابتكار» أدلة بوسائل فن التلفيق على غرار ما فعلت قبل اربع سنوات حين قصفت مصنعا للأدوية في السودان بصواريخ عابرة للقارات بزعم ان المصنع ينتج مادة تصلح لتصنيع اسلحة كيماوية. ان الولايات المتحدة تقف الآن معزولة بعد ان وجدت نفسها على مفترق طرق: فهي لا تستطيع ان تشن الحرب على العراق دون ان تثير غضب العالم.. وما يتبع هذا الغضب من عواقب خطيرة. كما انه ليس بوسعها إلغاء مشروع الحرب بعد ان قطعت شوطا طويلا في التعبئة وتهيئة أذهان الشعب الأميركي تجاه خيار الحرب.