الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 مع استمرار التصعيد الاميركي ضد العراق والتهديد بشن حرب ضده، وكذلك الاصرار الاميركي على افشال الجهود الدبلوماسية الجارية داخل الامم المتحدة بالرغم من تعاون العراق الايجابي وسط تدفق الاسلحة والحشود العسكرية الى المنطقة، تتجه الانظار الى الموقف التركي والدور الذي ستلعبه تركيا في هذه الحرب نظراً لعلاقاتها الاستراتيجية المتينة بكل من الولايات المتحدة واسرائيل وكونها عضواً في الحلف الاطلسي، فضلا عن وجود قواعد عسكرية اميركية على أراضيها حيث هناك قرابة 400 كم مشتركة من الحدود مع العراق. في الواقع، على الرغم من ان الموقف التركي الرسمي ابدى حتى الآن الكثير من الحرص والتحذير من مخاطر ضرب العراق على الامن والاقتصاد التركيين والتأكيد على ان اي عمل يجب ان يتم من خلال الامم المتحدة إلا ان قراءة دقيقة لواقع العلاقات المتينة بين انقرة وواشنطن ولأولوية دور تركيا وموقعها في الاستراتيجية الاميركية، ودعم الولايات المتحدة لتركيا في التحديات والازمات الداخلية والخارجية التي تعاني منها والتي كان آخرها دعم واشنطن لها في قمة كوبنهاغن الاوروبية بشأن تحديد بدء مفاوضات العضوية معها، كل هذا يشكل عوامل اساسية للتأثير على الموقف التركي، وامكانية تجييره لصالح الموقف الاميركي في الحرب المقبلة على العراق، خاصة اذا ما علمنا ان الموقف التركي في هذه المسألة يقوم في النهاية على اساس حسابات الربح والخسارة. في هذا الاطار افرزت التطورات الاخيرة بعد زيارة رجب طيب اردوغان الى واشنطن ومحادثاته مع الرئيس الاميركي جورج بوش مجموعة من العوامل التي تشير الى ان انقرة حسمت خيار المساهمة في هذه الحرب، اذ بعد موافقتها المبدئية على وضع قواعدها في جنوب البلاد وشرقه في خدمة الطائرات الاميركية نشرت انقرة 15 الف جندي تركي في شمال العراق وبدأت بنقل قسم كبير من قواتها من الشمال والغرب الى مناطق الجنوب والشرق، وتقول المصادر التركية ان انقرة بصدد الموافقة على طلب اميركي يقضي بنشر 60 الف جندي اميركي في شمال العراق و30 الفاً في قواعد داخل تركيا، وحسب صحيفة «ملليت» التركية فإن انقرة وضعت اربعة شروط لمساهمتها في الحرب المقررة ضد العراق وهي: ـ عدم اقامة دولة كردية في شمال العراق. ـ التعويض عن الخسائر التي ستتكبدها تركيا نتيجة العملية العسكرية المرتقبة واعفاؤها من الديون العسكرية لواشنطن والبالغة قرابة 6 مليارات دولار. ـ المشاركة في وضع تصور لمستقبل النظام في العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين. ـ اعطاء حقوق للتركمان في كركوك والموصل وعدم وضعهما تحت سيطرة الاكراد. هذه الشروط فضلا عن الحاجة التركية الشديدة الى واشنطن سواء في مجال العلاقات العسكرية معها او في مساعدتها للخروج من الازمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعاني منها او في قضية النزاع على قبرص وكذلك عملية الانضمام الى الاتحاد الاوروبي التي يبدو انها ستكون طويلة هذه القضايا الحساسة والحيوية والمصيرية بالنسبة لانقرة تجعل من معارضتها لاي قرار استراتيجي اميركي مسألة صعبة ان لم تكن مستحيلة بحسب المصادر التركية. وفي الاساس، فإن الشروط التركية لا تبدو بالنسبة لواشنطن مسألة صعبة او غير ممكنة الحل بل ان نائب وزير الدفاع الاميركي بول وولفويتز الذي زار انقرة مؤخراً أقر في ختام مباحثاته مع المسئولين الاتراك بوجود مصالح تركية مشروعة في التطورات المتعلقة بالعراق دون الافصاح عن هذه المصالح، ولكن وعلى الرغم من قناعة انقرة بأن واشنطن ستستجيب لمعظم شروطها ومطالبها إلا انها تتخوف من مخطط اميركي غير معلن تعده الادارة الاميركية لاقامة دولة كردية في شمال العراق بينما هي تعارض ذلك بشدة لقناعتها بأن اي دولة كردية هناك ستنعكس بشكل مباشر على اكرادها في الداخل الذين يزيد عددهم عن اكراد العراق ثلاثة اضعاف، وواشنطن تدرك حساسية الاقدام على هذه الخطوة لا بالنسبة لتركيا وحدها بل لايران وسوريا بالدرجة نفسها، فضلا عن الرفض العربي لتقسيم العراق، لذا تحرص واشنطن على عدم الحديث علنا في هذا الاتجاه وانما تراهن على احداث تحول في الموقف التركي وليس ضدها او تحديا لها، ومثل هذه الحجة الاميركية قد تصبح موضع قبول تركي بعد ان نجحت تركيا في وضع حد للنشاط العسكري لحزب العمال الكردستاني، فضلا عن هذا فإن واشنطن تعتقد ان الازمة الاقتصادية الخانقة التي تعاني تركيا منها وكذلك مشكلاتها الداخلية والخارجية العديدة، كفيلان بضمان مشاركة تركيا في عملية عسكرية ضد العراق، وهنا يرى البعض ان الموقف التركي الخجول هو في العمق سياسة تقوم على نيل أكبر قدر ممكن من المكاسب الامنية والسياسية والمصالح الاقتصادية والمساعدات الضرورية جراء مساهمتها. فهي «تركيا» في النهاية اسيرة لخيارها الاستراتيجي المرتبط بالولايات المتحدة الاميركية. في الواقع، الموقف التركي وتحولاته في هذا الاتجاه او ذاك من مسألة ضرب العراق يتطلب من العرب تحركاً مشتركاً سواء من خلال الجامعة العربية أو بعض الدول العربية التي لها عوامل القوة وعلاقات جيدة مع تركيا، التحرك حيال انقرة واحساسا بجملة المخاطر التي ستهدد المنطقة برمتها قبل ان تحسم انقرة موقفها وتتحرك هي حيال الدول العربية لكسب تفهم هذه الدول لمساهمتها في التحرك عسكرياً ضد العراق حيث اعلن اردوغان انه سيوفد نائبه في الحزب رئيس الحكومة عبدالله غول في جولة الى كل من سوريا ومصر والسعودية في وقت بدا اردوغان يتنصل من ماضيه الاسلامي ويتبنى سياسات موالية للغرب ويحاول اظهار بلاده على انها جسر يربط بين الغرب والعالم الاسلامي. وعلى الرغم من هذا فإن المطلوب عربياً تجاه تركيا يبقى التأكيد لها بأن مسألة الرهان على واشنطن في حل مشكلات بلد مثل تركيا من خلال التطمينات والمساعدات مسألة غير واقعية وغير دقيقة، وفوق هذا التأكيد على ان مسألة ضرب العراق قضية لا تتعلق بحجج واشنطن حول الاسلحة العراقية بقدر ما تتعلق باستراتيجية اميركية تعززت بعد الحادي عشر من سبتمبر حيال الشرق الاوسط، هدفها فرض ترتيبات امنية جديدة في خريطتها السياسية وربما الجغرافية. قد يرى البعض ان واشنطن حسمت قرار الضرب وبالتالي فإن محاولة تعطيل العملية العسكرية المرتقبة لن تكون لها جدوى ـ وحسب رأيهم ـ فإن هذه المحاولات او حتى الاعتراضات لن تذهب الى حد مواجهة القرار الاميركي، إلا انه، على الرغم من هذا، فإن التحرك العربي يبقى مطلوباً تجاه انقرة وموقفها، فعلى الاقل هناك العديد من النقاط والقضايا الحساسة بالنسبة لتركيا تختلف حولها مع واشنطن حيال العراق ومستقبله، وطرح هذه القضايا للحوار واخضاعها للحسابات والمصالح مسألة لها وزنها وقيمتها وابعادها في المشاركة في اي عملية ضد العراق أو عدمه او حتى في تأجيل مثل هذه العملية وربما تغيير شكلها ومحتواها من مسار عسكري الى مسار سياسي. ـ كاتب سوري