الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 بعد ترقب طويل خرج علينا وزير الخارجية الأميركي كولن باول بمشروعه للمساعدة على تعزيز الديمقراطية ودور المجتمع المدنى فى الشرق الأوسط، وتكمن خطورة مشروع باول فى أنه جاء فى وقت تحشد فيه الولايات المتحدة قواتها فى المنطقة من أجل تغيير نظام الحكم فى العراق مع صدور تقارير ودراسات كثيرة تشير إلى المنطقة العربية على أعتاب «سايكس ـ بيكو» جديدة أى عملية إعادة ترتيب جغرافى وسياسى لدول المنطقة سوف تقوم الولايات المتحدة بترتيبها هذه المرة مستفيدة من خبرات بريطانيا الاستعمارية السابقة لدول المنطقة حيث أصبحت السياسة البريطانية محاذية للسياسة الأميركية شبرا بشبر وذراعا بذراع. وما أن انتهى باول من طرح مبادرته التى تعمد فيها التنويه إلى انتقادات الرأى العام العربى من أن الولايات المتحدة تفضل دعم أنظمة ديكتاتورية مؤيدة لأميركا على تشجيع تطلعات ديمقراطية حتى انبرى كل من مدير التخطيط فى وزارة الخارجية الأميركية اليمينى ريتشارد هاس، وليز تشينى مساعدة وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط لشرح وتحليل وتسويق مبادرة الوزير باول، ولعل أخطر ماجاء فى طرح باول هو أن الولايات المتحدة سوف تخترق خصوصيات وسيادة الدول عبر المشاريع التى تسعى للقيام بها والتى خصصت لها 29 مليون دولار إضافة إلى أكثر من مليار دولار تقدمها سنويا فى إطار ما تسميه مساعدات اقتصادية للعالم العربى، وكان باول قد أشار إلى عملية تجاوز مباشر تقوم به الولايات المتحدة لسيادة الدول والحكومات وذلك حينما أشار فى حديثه عن المؤسسة التى أنشئت فى القاهرة فى أكتوبر الماضى بتمويل من الحكومة الأميركية والبنك الدولى والقطاع الخاص وتتولى تقديم قروض ميسرة للمؤسسات الصغيرة فى المناطق الفقيرة من العاصمة المصرية، وهذا يعنى أن المساعدات الاقتصادية السنوية التى كانت تقدم للحكومة وفق اتفاقية كامب ديفيد سوف تتحول كما يطالب بعض أعضاء الكونغرس وكما يشير كثير من المراقبين إلى مساعدات مباشرة للمؤسسات والأفراد كما أشار باول وهذا يعنى أن الديمقراطية الأميركية تعنى أن ما يتعامل به الأميركيون الآن مع المعارضة العراقية ربما يطبق على باقى الدول العربية لزعزعة العلاقة بين الحكومات وشعوبها مع الفارق أن المعارضة تعيش داخل الدول الأخرى. وما أن انتهى باول من عرض مبادرته المثيرة للجدل وعلامات الاستفهام حتى ثارت ضجة أخرى فجرتها صحيفتا «واشنطن تايمز» و«نيويورك تايمز» الأميركيتان يوم الاثنين الماضى حيث تحدثتا عن مخطط تعده وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» يقوم على السعى للتقليل من تأثير خطباء المساجد والمدارس الدينية التى تعتبرها الولايات المتحدة تربة خصبة لنمو الجماعات المتطرفة والمعادية للأميركيين فى الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا، ويتضمن المخطط كذلك إنشاء مدارس دينية بتمويل أميركي سرا لتعليم الاسلام المعتدل والتشجيع على ممارسته كما يمارس فى الولايات المتحدة، أى إسلام بمواصفات أميركية. والأخطر من ذلك هو أن البنتاغون تدرس حاليا إصدار توجيه إلى العسكريين الأميركيين كى يقوموا بعمليات سرية تستهدف التأثير على الرأى العام وصانعى القرار فى البلدان الصديقة والمحايدة وذلك حسبما ذكر مسئولون أميركيون كبار فى البنتاغون، ويدخل هذا ضمن خطة الادارة الأميركية لعسكرة العالم، وتغيير مبادئه وأفكاره لتتماشى مع الأفكار والمباديء الأميركية، وإذا كان الكلام عن الديمقراطية الأميركية مقبولا ويجد أنصارا يروجون له هنا وهناك فلا أدرى ماهو الموقف من الاسلام الأميركي الذى سوف يأتى على أسنة حراب وزارة الدفاع ورسولها ـ إن جاز التعبير ـ رامسفيلد وحوارييه من اليمينيين الصهاينة المتطرفين فى الوزارة والذين يحمل كثيرون منهم جنسية إسرائيلية إلى جوار جنسيته الأميركية. إن الطرح الأميركي خطير دون شك لكن الأخطر منه هو رد الفعل العربى الهزيل والمتمثل فى أن تبقى الحكومات العربية تتعامل بسياسة العجز والعزلة عن شعوبها، وتمكن الأميركان من السعى لتحقيق ما يدعونه فينهدم كل شيء على رؤوس الجميع، إن الكرة الآن فى ملعب الحكومات حتى تقوم هى بعمليات تغيير واسعة تستوعب فيها شعوبها بكل فئاتها وتوجهاتها السياسية، وتكتسب ثقتها وفق المباديء والأسس التى تحافظ بها على هوية أقطارها وجذورها وإلا فسوف نجد أشباه قرضاي على رأس كل دولة تتأخر فى الاصلاح السياسى.. إن الوقت لم يفت بعد والفائز من يدرك دوره. ـ كاتب واعلامي مصري