الاثنين 19 شوال 1423 هـ الموافق 23 ديسمبر 2002 منذ القدم وحتى اللحظة الحاضرة والانسان يحاول ان يمتلك التقنية والادوات المتطورة التي تساعده على تسهيل حياته، واضافة قدر من المرونة والسرعة في انجاز الاعمال التي توكل اليه. ومن حق الانسان ان يصنع ذلك طالما ان الهدف الذي يقوده الى التسابق في مجال الاختراعات العلمية هو الارتقاء بنظم المعيشة، واستثمار الذكاء الصناعي في خدمة الانسان لا في ايذائه او ظلمه!! وتعتبر العصا هي الشاهد الاول على ميل الانسان نحو الاختراع، ورغبته في اكتشاف خصائص المواد التي تنتشر في الطبيعة وتطويعها لخدمته وتحقيق اهدافه الخاصة. ثم توالت بعد ذلك الاختراعات البشرية التي اكدت ان الانسان جاد في اكتشاف المزيد من القوانين التي تحكم المادة من أجل المواصلة في المزيد من الاكتشافات والابحاث التي اكدت ان طموح الانسان لا حدود له، وان خيار الصناعة اصبح هو الخيار الاجدر بالتبني والارتباط به دوما عن بقية البدائل التي اصبحت بدورها في امس الحاجة الى اختراعات جديدة تساهم في زيادة سرعة نموها وتطورها. وفي محاولة لرصد امثلة حية على ردود فعل الانسان العادي إزاء الاختراعات التي اجتهد العلماء في الوصول اليها نقف امام هذين المثالين اللذين اكدا ان قدرة الانسان على التكيف مع الاختراعات الجديدة تمر بمراحل مختلفة من أهمها مرحلة الصدمة والذهول، والشعور بعدم القدرة على تصور ان ذلك الاختراع قد تحقق فعلا على يد الانسان. ولربما كان ذلك الشعور جديراً بالاهتمام والوقوف امامه فيما لو اذعن الانسان لصوت فطرته التي عبرت عن الحاجة الى وقت لاستيعاب مضامين ذلك الاختراع، والى تحديد اهداف نبيلة وسامية في التعامل مع تلك الاختراعات التي بدأت تتزايد كما وكيفا مع كل يوم من ايام الانسان على هذه الارض التي وفرت له بيئة مثالية ليحقق فيها طموحه، ويدرب فيها عضلات فكره على الاضافة والابداع. وفي المثال الاول الذي يعكس حالة الدهشة التي اصابت البعض يخبرنا «ماكلوان» العالم الكبير الذي رشحه علماء الاتصال ليكون رائد الابحاث العلمية في هذا المجال، ومؤرخها الذي انتقد الآثار السلبية الناتجة عن عجز الانسان عن تمثل المضامين الحضارية اثناء التعاطي مع ما انتجته الثورة العلمية قائلا: «لقد قامت عالمة الانثروبولوجيا الاميركية «مارجاريت ميد» بحمل نسخ من احد الكتب ـ بعد اختراع المطبعة ـ الى احدى جزر المحيط الهادي، وكان اهل الجزيرة يعرفون الكتب وشاهدوها من قبل لكنهم اعتبروها من قبيل المعجزات ان توجد اكثر من نسخة من الكتاب الواحد في الوقت نفسه»، وقد اراد بهذه الحادثة ان يبين ان الانسان يحتاج الى وقت ليستوعب النقلة التكنولوجية التي تحدث له في كل مرة يصل فيها الى كشف جديد!! واذا ما ساورك الشك في مدى التذبذب والاضطراب الذي يحدث للانسان امام الاختراعات الجديدة فانظر الى المثال الثاني الذي اورده «ماكلوان» عن احد الطيارين الذي شارك في الحرب العالمية الثانية وكتب عن تجربته قائلا: «ما كل هذا التعقيد من خراطيم الاوكسجين واجهزة التدفئة، وانابيب الكلام الممتدة الى جميع افراد الطاقم، وهذا القناع الذي اتنفس من خلاله!! انني موصول بالطائرة بواسطة انبوب من المطاط الذي لاغنى عنه، تماما كالحبل السري، الذي يصل الجنين بأمه. لقد اضاف الى كياني اعضاء جديدة». ومع تتابع الانجازات العلمية لم يستطع الانسان ان يتخلص من موقف الدهشة، وان يحقق التكيف الكامل مع تلك الاختراعات المتوالية، وظل عاجزا ـ حتى اللحظة ـ عن تحديد اهداف انسانية لوظيفة العديد من الاختراعات المذهلة. وبدلا من ان تزدهر الحياة بذلك الذكاء الصناعي غير المسبوق، الذي بعث النشاط في مختلف الحقول والمجالات الحياتية، اراد ان يوظف الكثير من تلك الانجازات في خراب الارض، واشاعة الذعر فيها بدلا من اعمارها وتوجيهها في خدمة الانسان. وقرر القوي الذي امتلك قوانين المادة ان يسحق بالآلة ارادة اخيه الانسان وكرامته، وان يحرمه من ابسط حقوقه، لا لشيء الا لانه عرف قوانين المادة، وعلى يديه تحقق الانفجار العلمي المذهل، ومعه تزلزل العالم واصبح تحت بركان يضطرم حرارة وغليانا. فهل من أجل هذه النهاية المأساوية واصل الانسان ابحاثه، واجتهد في الكشف والاختراع؟! انه الافلاس الكبير والهوس في اشاعة الذعر في العالم والنازية الجديدة التي جعلت العلم في خدمة الشر وقهر الانسان.