الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 ربما سؤال بسيط من نوع، كيف يمكن للأمة ان ترتقي وتبلغ مبلغها الحضاري من دون كلمة اصيلة وجادة، ومن دون وعي اصيل وجاد، من دون ثقافة تحرك الفكر والروح في فضاء نقي خال من شوائب الرخص والتفاهة والبلاهة؟ من دون مكان للمفكرين الاصيلين، من دون مقام محترم للفلسفة والبحث العلمي، من دون ان يتقدم الجميع صاحب العلم، وصاحب المقولة الثمينة، صاحب العقل الرصين الرزين، من دون الانسان الشفيف العفيف الشريف؟ كيف لحضارة تبلغ مبلغها من دون هؤلاء جميعا، ومن دون ان تكون لهم مكانة في الحياة وفي البروز ومن دون ان يكونوا المؤثرين البارزين في حياتنا؟ لا شك أن لا حضارة مرتكزة على اعمدتها الرخامية الصلبة ومؤثرة فيما حولها تصنع تاريخها بنفسها وتسهم في بناء تاريخ الانسانية وتتقاسم معها الحضارات الاخرى جنيها الا تلك التي ترتفع اعمدتها الرخامية على اكف الناس الذين يمتلكون احترام الصدق ويتعاملون معه وكأنه اكسيرهم الذي يحيي نبض عروقهم. سؤال مثل هذا بسيط واجابته ايضا بسيطة، لان العاقل والجاهل سيشتركان في استنتاجها لأنه في النهاية لا يصح الا الصحيح، ولا يحترم الا المنطق، ولا يؤثر الا الاصيل من القول والفعل. فيما حولنا نتأمل حياتنا ولنقل حياتنا العربية ولنفكر في اعادة صياغة السؤال على اشكال مختلفة ولنعكسه بصراحة وحرية على واقعنا، ومنه نستطيع ان نستنتج ما اذا كنا نسير على درب الحضارة التي نريد، والغد الذي ننتظر، ومنه ايضا يمكننا ان نفك اسرار ما تخبئه لنا الايام المقبلة. ولأن الأمر قد يسحبنا الى اليأس، فان النتيجة المحزنة افضل في حقيقتها من النتيجة المزيفة، والكاذبة. فيما حولنا كثير من التفاهة، كثير من البلاهة، كثير من التخبط، كثير من العمى الذي يقودنا الى فتات الحضارات الزائفة التي تحيط بنا. اغنية تافهة بامكانها ان تدمر ما تبقى من حضارة، ان كان في الحضارة التي نريد باق نمسك به.. اغنية تافهة بامكانها ان تكون سببا لهزيمة في حرب.. اغنية تافهة بامكانها ان تنتج عقولا هزيلة مريضة، معاقة، مدمرة، محبطة، مشوهة، ممسوخة الاخلاق والقيم.. اغنية تافهة بامكانها ان تكون افتك من افتك فيروسات العصر، واشرس من السرطان. انظر حولك تأمل فيما ينشغل الآخرون، ودقق فيما يشغلك ستجد ان ايامك تكر كما تكر حبات المسبحة في فضاء من المسخ العجيب. هذه ليست دعوة لاستقبال اليأس، فحتى هذا الاخير ما عاد يؤثر ويؤلم كما كان في السابق، يوم كانت دماؤنا ساخنة سخونة لافا البراكين. جاء زمن الدم البارد، صدر لنا في اكياس السلوفان الملون، وساد المناخ ليونة يستحي منها الحياء نفسه. تعرف حضارة قوم حينما تعرف ماذا يعاقرون في ساعات يومهم.. وتعرف أين مسيرهم حينما تقيس حرارة الدماء في عروقهم. قوافلنا تسير نحو الهاوية.. ولا يأس.