الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 بتاريخ 12 ديسمبر الجاري، وقف وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول في مؤسسة التراث بواشنطن معلنا عن مبادرة اطلق عليها «مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط: بناء الامل للسنوات المقبلة»، وفي الايام التالية تحول الخطاب الى أعمدة صحفية ومقالات في اغلب، ان لم نقل كل، صحف الوطن العربي، وفي مجملها كانت المقالات اما تهاجم واما تسخر من الطرح الاميركي فيما يتعلق بـ «دمقرطة» العالم العربي. وبمنتهى الصراحة فلا شيء في (نص) الخطاب يدفع للسخرية او الهجوم او ردة الفعل السلبية التي تطالعنا بها مقالات الأخوة الكتاب، لكن نص الخطاب شيء، وروحه وظروفه وطارحوه شيء آخر، كما ان الاسئلة التي طرحت حول المشروع لم تتناول تفاصيل المبادرة من حيث كونها تشجع على المشاركة الشعبية، ومساعدة المؤسسات التعليمية، ومكافحة الامية، ومؤازرة حقوق المرأة و .. الخ، وانما تناولت تفاصيل اخرى يراها المثقف العربي اكثر أهمية وخطورة. لقد طرح كل المثقفين السؤال البديهي: لماذا الحديث عن الديمقراطية والمشاركة الشعبية في العملية السياسية في الشرق الاوسط الآن تحديدا؟ خاصة وان هؤلاء المثقفين يعلمون يقينا تاريخ الادارات الاميركية جميعها فيما يتعلق بعرقلة الديمقراطية في العالم، فملف الولايات المتحدة في إعاقة الديمقراطية وتشجيع الانظمة الديكتاتورية ليس سرا، ومن لم يطلع عليه فبامكانه قراءة ما كتبه عالم اللغويات والمعارض لسياسات بلاده المفكر الاميركي ناعوم شومسكي في كتابه ذائع الصيت: «اعاقة الديمقراطية: الولايات المتحدة والديمقراطية». فكيف يمكن للولايات المتحدة الراعي الرسمي لكل الانظمة الديكتاتورية والفاسدة في العالم ان تتحول الى دولة محرضة على الديمقراطية وساعية لمصلحة الشعوب؟ ليس هناك من يرفض المشاركة والديمقراطية ودعم الاقتصاد ومؤسسات التعليم والمرأة وحقوق الانسان و .. الخ، لكن المعضلة في الأمر ان الذي يطرح هذا هو نفسه الذي يخترق حقوق الانسان ويعيق الديمقراطية، ويتدخل في شئون الدول، ويخترق انظمة تعليمها، ويفرض عليها انظمة حكم اختارها هو فقط لأنها تتماشى مع مصالحه في المرحلة المقبلة .. اميركا لم تقنع أحدا بخطابها في العالم العربي لسبب واحد فقط: هو ان الجميع في العالم العربي فقد الثقة بالولايات المتحدة وبكل طروحاتها .. والجميع في العالم العربي يعلم بأن المرحلة المقبلة هي مرحلة الاستعمار الاميركي تحت ستار «المشاركة وبناء الثقة» وهذا أغرب نوع من أنواع الاستعمار؟ وسيكون أخطر نوع بلا شك!!