الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 قصة حبهما من ذلك النوع الذي لا يمكن أن تصادفك إلا في الروايات والقصص وأخيلة الكتّاب والشعراء. لكن كل الذين عاصروهما يجمعون على أنها قد حدثت، كما تؤكد ذلك رسائلهما المتبادلة. فرغم أنهما قد عاشا في زمن واحد، إلا أن آلاف الأميال قد فصلت بينهما، ولم يحدث أن تقابلا في الحياة مرة واحدة، ومع ذلك فقد نشأت بينهما رابطة حب خلّد الأدب سيرتها، وكانت واحدة من حكايات ذلك الزمن الجميل الذي نقرأ عنه، ونبحث فيه عن نماذج نوشّي بها جدران أيامنا. لقد أحاطت بها كوكبة من نجوم زمانها، كتاباً وشعراء ورجال سياسة واقتصاد، وتباروا في التقرب إليها وكسب ودّها، فكانت تقرب كل واحد منهم بالمقدار الذي يشعر معه أنه الرجل الأقرب إليها.. وتحافظ ـ في الوقت نفسه ـ على مسافة بينها وبينه يكتشف لاحقاً أنها بحجم تلك المسافة التي كانت تفصل بينها وبين من هواه قلبها. أما ذاك الذي هواه القلب فقد عاش حياته متنقلاً بين لبنان وأميركا وفرنسا وسوريا ومصر وبلجيكا وأزمير واسطنبول وأثينا واسبانيا وايطاليا. لقد تأثرت حياته وإبداعه بهذا الترحال، كما تأثر بعدد من النساء اللواتي تركن بصماتهن الواضحة عليه إنساناً ومبدعاً، كانت منهن «ماري هاسكل» التي غيّرت مجرى حياته بعطفها عليه وعنايتها به، و«سلمى كرامة» حبيبته الأولى وبطلة روايته «الأجنحة المتكسرة». وكان قدرها هي ان تكون الأخيرة التي كتب لها أهم وآخر رسائله. ولدت «ماري إلياس زيادة» التي اشتهرت في تاريخ الأدب العربي باسم «مي» عام 1886 في مدينة الناصرة بفلسطين لأب لبناني وأم فلسطينية، وتلقت دراستها الأولى في معهد «عين طورة» بلبنان قبل أن تهاجر مع والديها إلى القاهرة عام 1908، حيث عمل والدها بالصحافة هناك. وقد تزامن وصولها مع افتتاح الجامعة المصرية التي تحولت فيما بعد إلى «جامعة القاهرة»، فبادرت «مي» إلى الإلتحاق بها بتوجيه من معلمها الأول ومرشدها إلى مجالس الفكر والأدب ومقامات الخطابة، الفيلسوف والسياسي والنهضوي الكبير «أحمد لطفي السيد». كما كان له أيضاً الفضل الأكبر في تعلقها باللغة العربية وتوجيهها إلى قراءة القرآن لمعرفة أسرار البيان اللغوي الفذ، في الوقت الذي كانت فيه تتقن الفرنسية والإنجليزية والألمانية، وقد ترجمت «مي» من الكتب عن الألمانية «ابتسامات ودموع» لفريدريك ماكس مولر، وعن الإنجليزية «الحب في العذاب» لكونان دويل، وعن الفرنسية «رجوع الموجة» لبراداتشر. كما كتبت شعراً باللغة الفرنسية وأصدرت بها كتابها الشعري الأول «أزاهير الحلم» ووقعته باسم مستعار هو «إيزيس كوبيا». تتحدث «مي» عن عوامل ثلاثة أثرت في تشكيل شخصيتها فتقول: «الأول نشأتي في صميم الطبيعة الفاتنة وتعلقي بروائعها، والثاني تأثري ببلاغة القرآن الكريم وسحر البيان، وكان هذا سبباً في تحول ثقافتي الأولى إلى العربية وأدبها، والثالث تفجر الثورات الوطنية، ولقد جئت مصر قبل هبوب ثورتها الكبرى عام 1919 فعجّلت الحركات الوطنية بنضج تفكيري». غير ان أهم ما تركته «مي» لنا وللأدب العربي هو ذلك الصالون الأدبي الشهير والمنتدى الفكري الذي عرف بـ «ثلاثاء مي»، حيث التقى فيه كبار الأدباء والمفكرين من مصر والشام. وفي صالون «مي» التأم شمل طه حسين وعباس محمود العقاد وأحمد شوقي وحافظ ابراهيم وأحمد حسن الزيات ومصطفى صادق الرافعي وخليل مطران ومنصور فهمي وأحمد زكي وشبلي الشميل وولي الدين يكن ومصطفى عبدالرازق والمازني وداود بركات وسلامة موسى واسماعيل صبري باشا وكثيرون ذكرهم العقاد في مقاله الشهير «رجال حول مي». كما حضرت سيدات شهيرات كان منهن رائدة الحركة النسائية المصرية في ذلك العصر السيدة هدى شعراوي، وملك حفني ناصف التي عرفت بـ «باحثة البادية» ونظلة الحكيم. حشد كبير كهذا من الأدباء والشعراء والمفكرين ورجال السياسة والاقتصاد يجتمع عند «مي» وحولها، لاشك انه سيثري الساحة بروايات عمّن هام بها أو توهم هيامها به، فقد كانت «مي» كما وصفت نفسها في رسالة إلى صديقتها «جوليا طعمة» صاحبة مجلة «المرأة الجديدة» التي كانت تصدر في بيروت: «استحضري فتاة سمراء كالبن أو كالتمر الهندي كما يقول الشعراء، أو كالمسك كما يقول متيم العامرية، وضعي عليها طابعاً سديمياً ـ فليسمح لي البلاغيون بهذا التعبير المتناقض ـ من وجد وشوق وذهول، وجوع فكري لا يكفي، وعطش روحي لا يرتوي، يرافق أولئك جميعاً استعداد كبير للطرب والسرور، واستعداد أكبر للشجن والألم، وهذا هو الغالب دوماً، وأطلقي على هذا المجموع اسم «مي» ترين من يساجلك الساعة قلمها». تتحدث إحدى الروايات عن علاقة من نوع ما ربطتها بعباس محمود العقاد الذي يتفق النقاد على انه صورها في شخصية «هند» في روايته الشهيرة «سارة». هذه العلاقة التي ربطت العقاد بها أجمع من عاصروهما على عفتها، وقد وصف العقاد «مي» فقال عنها: «فتاة جميلة وأديبة يزورها أدباء وشعراء وكتّاب قصة وأصاحب ذوق في جمال الكلمة. إن فات أحداً من هؤلاء واجب التحية والسلام للمقام، فما هو بزائر صالح لمثل هذه الزيارة، ولو لم تكن زيارة عشق ومناجاة. وإن فات «مي» أن تتقبل هذه التحيات أو وجب عليها ـ كما قد يخطر على بال الأقدمين ـ أن تصدها بالعبوس والغضب، فليست هي زيارة ندوة إذن... ولكنها زيارة واحدة قد تنتهي كما تبتديء عند الباب». أما الشاعر اسماعيل صبري فقد تُيم بها حتى قال: روحي على بَعْضِ دُوْرِ الحي حائمةٌ كظامئِ الطيرِ تواقاً إلى الماءِ إنْ لم أُمتعْ بـ «مي» نظاريّ غداً لا كان صُبْحُكَ يا يومَ الثُلاثاءِ وبعيداً عن هذه الكوكبة التي اجتمعت حولها وتبارت في خطب ودّها خفق قلب «مي» لجبران خليل جبران الذي كانت تفصل بينها وبينه آلاف الأميال. وقد بدأ الأمر بإعجاب دفعها إلى كتابة رسالة تعارف إلى الكاتب الشهير عام 1912، لتتواصل الرسائل بعد ذلك بينهما، وتتحول إلى حوار فكري يتطوّر إلى حب روحي ذي نزعة صوفية شفيفة لينتجا للأدب العربي هذه الثروة العظيمة من الرسائل المتبادلة بينهما. كتبت مي لجبران تقول: «جبران.. أريد أن تساعدني وتحميني، وتبعد عني الأذى ليس بالروح فقط، بل بالجسد أيضاً». فكتب لها جبران يقول: «أنا ضباب يا مي.. أنا ضباب يغمر الأشياء ولكن لا يتحِد وإياها». وتحت صورة جبران كتبت مي بخط يدها: «هذا سبب علّتي وشقائي من زمن طويل». وما كان لقصة غير عادية من هذا النوع إلا ان تنتهي نهاية غير عادية، وإذْ مات جبران في المنفى مريضاً بالسل، فكانت فجيعة مي بموته كبيرة، أما نهاية مي فقد كانت هي الأخرى مأساوية لا تتناسب مع حجم الفرح الذي أشاعته، فقد ذوت تلك الوردة التي حلم كبار الكتّاب والأدباء بشم أريجها وشحبت في أواخر أيامها، وعرفت طريق المصحات النفسية لتغادر الحياة عن 55 عاماً، مخلفة لنا واحدة من قصص الحب التي لا يخلدها سوى هذا الحرمان الذي إنْ لم تفرضه الأقدار علينا فرضناه نحن على أنفسنا لننسلخ قليلاً من بشريتنا ونحلق في عالم الروح بأجنحة لكنها ليست من نوع تلك «الأجنحة المتكسرة» التي حلّق بها جبران فلم تساعده على وضع نهاية سعيدة لقصة حب صنعتها «الأرواح المتمردة» التي لم تكن من نتاج خيال جبران فقط، ولكنها من توق نفوسنا نحن المتطلعة دائماً إلى الجمال والكمال، المتعلقة بأوهى خيوط الآمال.