الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 كثيرة هي التفسيرات والتأويلات، وحتى اللغط، التي أحدثتها مجموعة الانتخابات الداخلية في الأحزاب الإسرائيلية، إيذاناً بتقديم مرشحيها لانتخابات الكنيست القادمة. فقد لخص البعض جملة المتغيرات والصراعات الداخلية بأنها مجرد صراعات آنية هدفها الحصول على مناصب سلطوية، منطلقاً من مقولة، أن ما يجري هو طغيان المواقف الداخلية في التأثير على مجموع الانتخابات، خاصة في حزبي العمل والليكود. بينما ذهب البعض الآخر بالتكهن بالقول، إلى أن ما نشهده من متغيرات يعتبر بداية حقيقية لمتغيرات دراماتيكية ستجتاح الخارطة السياسية ـ الحزبية في إسرائيل، بسبب حزمة من القضايا، أهمها: أولاً ـ وصول المشروع الصهيوني إلى مأزقه التاريخي بعد أن قطع المرحلة الثانية، راهناً، وهي مرحلة «غياب المثالية»، انطلاقاً من أن حقيقة الاستعمار أصبحت غير قابلة للتغطية أو التهرب والمواربة. خاصة بعد أن أصبحت المجابهة مع السكان الأصليين هي المشكلة الوحيدة، وبعد أن سقطت من يد غلاة الصهاينة في العمل والليكود تغييب أو غياب السكان الأصليين. وعلى ما يبدو أن المأزق الإسرائيلي، كان يتشكل ويتعمق في آن معاً في كل خطوة كان يخطوها المشروع الصهيوني، نحو تحقيق أهدافه. ثانياً: لقد أجمعت الكثير من الآراء الإسرائيلية، بأن ما يجري هذه الأيام، يعبر عن الأزمة المتفاقمة التي تعيشها إسرائيل، وهي أزمة شاملة، سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية، تفاقمت مع تواصل المقاومة الفلسطينية، وإخفاق المؤسسة العسكرية في توفير الأمن، وفرض الاملاءات الإسرائيلية. وازدياد تدهور الوضع الاقتصادي، واتساع تداعياته، أفقيا وعمودياً في المجالين السياسي والاجتماعي؛ الأمر الذي خلق حالة من التباين في الآراء والمواقف، المبنية على خلفية المصالح الشخصية والحزبية، والتي تطورت قسرياً في الأشهر الأخيرة إلى درجة لم يعد فيها ممكناً استمرار الأوضاع على ما هي عليه، بداية من فرط عقد حكومة الائتلاف، الذي عجز عن حل إشكالية التناقض بين الرغبة في توفير الأمن والرفاه، وبين الإصرار على مواصلة الاحتلال، وتصعيد ممارساته اللا إنسانية، وانتهاءً بالذي نشهده من انقسامات حزبية داخلية لم نكن نتوقعها على الإطلاق، خاصة وأننا كنا على الدوام ننظر لهذا المجتمع بشيء من المثالية، ارتكازاً إلى نجاحات وهمية نتلقفها من وسائل إعلامه الموجهة لنا بشكل واع ومقصود الأهداف. ناهيك عن حجم المشكلات والمعضلات الكبرى التي أحدثتها حالة التمييز العنصري بين الاشكيناز «اليهود الغربيين» والسفارديم «اليهود الشرقيين»، والذي عبر عنها بكل وضوح الزعيم الروحي لحركة شاس الحاخام عوفاديا يوسف لوزراء الحركة، بالقول: «إن ما هو مسموح للآخرين محظور عليكم يا وزراء شاس، حتى لو توفرت لديكم الشروط المطلوبة، لقد بات واضحاً أنهم «الغربيون» يلاحقوننا لكوننا شرقيين». وقس على ذلك ما قاله الحاخام ميخائيل مهرات، عندما أراد استقبال مهاجرين في مجلس الأديان قيل له: «لا تستقبلهم، رائحتهم نتنة»، وأكد على ذلك الحاخام الأول للطائفة الأثيوبية يوسف هدنة أن «عدداً كبيراً من المجالس الدينية الرئيسية ترفض قبول الأثيوبيين»، ويذكر أن الحاخام مهرات طرد مؤخراً من مكتبه في مجلس أشدود. بصرف النظر عن التكهنات والتحليلات، فما أن انتهت الانتخابات الداخلية، حتى توضحت مجموعة من الانقسامات الداخلية الحزبية لم تشهدها الأحزاب الإسرائيلية منذ أن قامت دولة إسرائيل على الإطلاق. فعلى سبيل المثال أن الانقسام الحاد داخل الليكود ما بين أنصار بنيامين نتانياهو الذين تصدروا العشرة الأوائل في القائمة المرشحة لانتخابات الكنيست، دفعت شارون للإفصاح عن الخلافات السياسية الحادة التي كانت قبل الانتخابات تعتبر ناراً تحت الرماد، بحيث دفعت هذه الصراعات الحادة شارون، للعودة ثانية إلى نغمة حكومة وحدة وطنية مع عميرام متسناع. وهذا الأمر يعني التنازل عن وزارة الخارجية لمتسناع، كما يعني إبعاد نتانياهو عن هذا المنصب. ولعل المثير للأمر هو كيف ستمر هذه الخطوة خاصة بعد نجاح نتانياهو في الانتخابات الداخلية التي جرت، علماً أن نتانياهو يعتبر معارضاً لدوداً لحكومة الوحدة، وقد زعم في الماضي أنه يؤيد قيام حكومة يمينية، تستند إلى 75عضو كنيست. دون أن يغفل شارون حديثه عن تقليص حاد في عدد الوزراء في حكومته المقبلة، فيما يواصل حديثه عن دولة فلسطينية، متحدياً بذلك أعضاء العشرية الأولى في القائمة الجديدة للكنيست، الذين يعارضونها لاسباب أيديولوجية. هذه التصريحات الحادة تؤكد على مدى الانقسام الداخلي الذي يعيشه حزب الليكود ليس لاسباب مالية سكبت بالانتخابات، بقدر ما هي خلافات سياسية تمس أسس قيام دولة إسرائيل. بل أكثر من ذلك أن الخلافات الليكودية ـ الليكودية، قربت من معسكري متسناع وشارون دون سابق إنذار، حتى أصبح جماعة نتانياهو يطلقون على شارون بأنه كالنعامة بالصحراء وكغريب داخل حزبه. أما حزب العمل فحدث ولا حرج، فقد اضطر متسناع الذي أصبح يعبر عما يسمى بحزب الوسط، للتقرب هو أيضاً من جناح شارون في الليكود، أملاً بكسب المزيد من الأصوات التي افتقدها بعد وفاة رابين وما تلا ذلك من اندلاع انتفاضة الأقصى وما أحدثته من تداعيات على مستقبل الحزب في إسرائيل. دون أن يسقط من أجندته، حزب العمل، محاولاته الدؤوبة لإظهار الفارق الداخلي، الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، بين ما يمثله هو وما يمثله الليكود، خاصة وأنه يدرك حجم تأثير هذه القضية، أي الفساد الداخلي، في سلسلة المتغيرات الداخلية الإسرائيلية، دون أن نغفل أن ثمة من يؤمنون في حزب العمل بأن شارون يمكن أن يتقدم نحو خطوة تاريخية مع متسناع، مع حزب العمل ومع شينوي، من دون المتدينين، الحريديم واليمين المتطرف. من المنطلق لم تستبعد جهات في ديوان شارون فرضية إقدام رئيس الحكومة شارون على تنازلات مؤلمة من وجهة نظرهم، وذكروا بأنه محاط بمجموعة من المعتدلين يؤيدون تسوية بعيدة المدى مع الفلسطينيين، خاصة ابنه عومري. ناهيك عن معسكر اليسار الذي ساهم متسناع في ترميمه بعد إبعاد يوسي بيلين وياعيل دايان من داخل العمل بعملية جراحية قسرية، الأمر الذي وضع يوسي ساريد قائد ميرتس أقرب إلى اجتذاب ما تبقى من اليسار اليهودي. والذي على ما يبدو لن يكون الناخب العربي الذي يمثل 20% من مجموع أصوات الناخبين بعيداً عن هذا المعسكر باعتباره حلاً وسطاً على أقل تقدير. مما تقدم يمكننا القول، أن ثمة تشكل معسكرات جديدة خلاف المألوف، من بينها معسكر شارون متسناع، الذي سيكون على ما يبدو الأقدر على اتخاذ خطوات أكثر جدية باتجاه تقديم حل وسط تاريخي مع الفلسطينيين، بينما سيعاد تشكل معسكر اليسار، بحيث يصبح الأقدر على ممارسة ضغوطه على أية حكومة إسرائيلية قادمة، بعد أن أصبحت كل التكهنات ترى بأنه سينتقل داخل الكنيست من 11 مقعداً إلى ما يقارب 18مقعدا أو ما يزيد، ناهيك عن تحالفه مع القوائم العربية التي تساوي ما يقارب 13مقعداً. لكن السؤال هل ستبقى نوايا شارون ـ متسناع بعد الانتخابات؟ أم أن كل ما يجري مجرد تكتيكات انتخابية ستذهب أدراج الرياح بعد صدور قوائم الناجحين؟ ـ كاتب فلسطيني