الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 سألني وزير خليجي صديق خلال دردشة حول مستقبل المنطقة وما يعد لها من مشاريع للسيطرة على مقدراتها بشكل نهائي فيما اذا كانت واشنطن وهي المنحازة لاسرائيل انحيازاً مطلقاً والتي تكيل بمكيالين تجاه قضايا العرب والمسلمين، قادرة على تمرير تلك المشاريع بسهولة؟! مبدياً استغرابه ـ وهنا بيت القصيد ـ فيما اذا كانت شعوبنا ستقبل بمثل هذه المشاريع «المهيمنة»؟! واذ اخذتني الحيرة للوهلة الاولى كيف ان الوزير المذكور يراهن على الشعوب في صد الهجمة الاميركية وليس على الحكام، غير انني تداركت الامر سريعاً وقلت له: انظر يا معالي الوزير! لقد تعلم الاميركيون الكثير في العقود الاخيرة من تجاربهم الفاشلة كما درسوا تجارب بريطانيا الناجحة في العصور السابقة وصاروا مقتنعين بضرورة لبس او ارتداء «اللباس الوطني» لكل بلد مملكة كانت او جمهورية قبل الدخول اليها لشراء حاجاتهم بأسعار زهيدة وقضاء نزهاتهم في بلادنا فما بالك وهم يريدون اليوم السيطرة الكاملة والنهائية على كل مقدراتنا وتحديد مصائرنا في عالم حكم الامبراطورية الواحدة المنبعثة من اسدال الستار على الحرب الباردة! ثم عرجت معه على موضوع العراق فوراً باعتباره الملف الاكثر سخونة من غيره من ملفات «التغيير والاصلاح» المعروضة في المزاد العلني الدولي هذه الايام. وقلت له: ان تقديري الشخصي للموقف بخصوص العراق يفيد بأن أميركا التي كانت تحكم العراق خلال العقدين الماضيين بلباس وطني راديكالي متطرف عندما كان مطلوباً من العراق ان يلعب دور الورقة الاقليمية المثيرة للحروب والفتن والتفرقة قررت بعد 11 سبتمبر ان تقلب الطاولة على معادلة الداخل العراقي «الوطني الراديكالي» بعد ان استنفد اغراضه وباتت واشنطن بحاجة إلى «لباس وطني» من نوع جديد تسير عبره ليس فقط «عراق الغد والمستقبل» بل و«خليج الغد والمستقبل» و«ايران الغد والمستقبل» و«تركيا الغد والمستقبل». ان تكون حصان الغد الاميركي الوطني اليوم و«الشعبي» مستقبلاً هو ما لخصه رئيس المؤتمر الوطني العراقي اثناء اجتماعات لندن الاخيرة للمعارضة العراقية بالقول: «من حقكم ان تفخروا اليوم بأن جورج بوش قد وافق على جميع برامجكم!!». وانا بتقديري ان كل الاوزان والاثقال والحضور المتنوع المزركش منه وغير المزركش بكفة وهذه الجملة لهذا الرجل المعروف بكفة اخرى. واقول هذا عن متابعة ومعرفة دقيقة ومتواصلة منذ ان ظهر هذا الرجل على الساحة. في حوادث افغانستان وعندما عينوا حامد قرضاي رئيساً للوزراء كتبت في حينها اقول ان المنهج الاميركي الجديد هو كيف تسوق حكومة بأفراد مقطوعي الجذور ولا شعبية لهم بلباس وطني معتمد مهمته فتح الطريق لخلق شعبية لهذه الحكومة العتيدة! ان كل فرقعة السلاح الاميركي وغير الاميركي سواء استخدم ام لم يستخدم بكفة وما يوفره العشرات بل والمئات من اصحاب «اللباس الوطني» العاملين كجنود مجهولين من اجل «عراق الغد والمستقبل» بكفة اخرى. ان من حق المعارضة العراقية بأطيافها المختلفة وتياراتها وزعاماتها والعديدون منهم اصدقاء شخصيون لي، لاسيما الضاربون عميقاً في التراب والتراث العراقي ان يقولوا ما يشاءون للدفاع عن انفسهم وتبرير ما يقومون به اليوم وان ينفوا كل التهم الموجهة اليهم اليوم من كل حدب وصوب وهم محقون في ظني في التبرؤ مما ينسب اليهم من تورط في اوحال السياسة الاميركية على الاقل بشكل واع ومقصود لكنهم ليسمحوا لي بالقول ومرة اخرى وارجو ألا يغضبوا علي مجدداً ويبدأون في كيل الاتهامات كما فعلوا سابقاً بأن تقديري هو ان سيناريو اميركي يعد له في الخفاء وباحكام شديد وفي اطار دراسات واختبارات «وطنية» عراقية ستعزز الحكومة «الوطنية» العراقية ما بعد صدام حسين لن يكون لهم فيها الدور الرئيسي ممن حضروا اجتماعات لندن. لذلك قلت واقول ان هناك فرقاً شاسعاً بين ان تناضل القوى المعارضة في اي بلد كان إلى ان تجد تجاوباً معها فتستغله في اللحظة المناسبة لخدمة قضيتها الوطنية وبين ان تكون تلك المعارضة في حالة شبه عجز او نيام وبسبب فشل تكرر أو افشال متعمد ساهمت فيه القوى الدولية لجهود تلك المعارضة، فيتقرر يوماً ما ولأسباب ومبررات وتقديرات تخص القوى الدولية الفاعلة وفي اطار معركة شاملة تخص استراتيجيتها العامة فتقرر استدعاء تلك المعارضة للعب دور ما في خدمة الاهداف العامة المرسومة. نعم من السهل بمكان ان تقول المعارضة انها الفرصة الذهبية السانحة التي يجب الا أضيعها، لكن ذلك يتطلب كفاحاً مريراً ومن نوع آخر هدفه اخراج كل «الواجهات الوطنية» التي دربتها ومرنتها وطوعتها اميركا او اي قوة دولية معينة من دائرة العمل الرئيسي واعلان واضح وشفاف عن خط ثالث بين الخصم الداخلي والعدو الخارجي وليس انخراطاً في مشروع «الألبسة والأدوية الوطنية» بحجة اننا عاجزون عن منع تحقق المخطط الاميركي ولما كان هو واقع لا محالة فلنأخذ نصيبنا من الكعكة او ربما تحايلنا وساعدتنا الظروف لأكل الكعكة اذا ما دخلنا اللعبة كاملة! انها لعبة خطيرة لا دور فيها للجمهور، حتى جمهور الاحزاب التي تمثلونها ناهيك عن جمهور الشعب.. انها لعبة تفتيت مقصودة هدفها اضعاف الجميع ليأتي قرضاي العراق العتيد بلباس وطني ومشروعية دينية ومقبولية جماهيرية تحت حراب الاميركيين وجعجعة سلاحهم التي تعج فيها المحيطات والقارات استخدم هذا السلاح ام لم يستخدم. المهم انه سيكون «الحامية الكبرى» التي بها ينبغي ان تتكرس «الألبسة الوطنية» وتصبح حكومات شعبية عتيدة. وهنا قال لي الوزير وكل هذا وما ينبغي ان يتبعه بعد ذلك لبلدان اخرى بـ 29 مليون دولار؟!! قلت له: يا معالي الوزير ان هذه الـ 29 مليون دولار مخصصة لتصرف على التصاميم الخاصة بكل «لباس وطني» وعلى اجهزة الكمبيوتر قبل ان تترجم على الارض وآمل ترجمتها على الارض فتلك حكاية اخرى بحاجة إلى ميزانية اخرى من المقرر ان يوفروها من مواردنا النفطية والغازية والمائية. انها لعبة بريطانيا العجوز التي لا تزال تلعب دور المعلم الاول والاخير لكل امبراطور جديد يقرر الزحف على بلادنا، والذي يقرأ جيداً ظفر. والذي يحسن الظن فقد خسر. ـ أمين عام منتدى الحوار العربي الايراني