الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 السفير الأميركي في القاهرة ممثل جيد للدبلوماسية الأميركية في زمن التفرد الأميركي بزعامة العالم.. فهو يتحرك بهمة ونشاط، ويستمد من نفوذ بلاده وضعا استثنائيا ويحاول امتلاك المعرفة بشئون المجتمع، ويتصرف بمزيج من الاحساس بالذكاء، بالقوة والغطرسة والحماقة والاستهبال معا.. ولعل مقاله الشهير الذي نشرته «الأهرام» في صيف هذا العام يكشف الكثير من هذه الجوانب، حين خاض في قضية الاعلام المصري وهاجم توجهاته، وطالب (قبل الضجة المفتعلة عن مسلسل فارس بلا جواد بكثير) بأن تشدد الدولة من رقاباتها على الصحافة المصرية حتى لا تخرج عن الصف.. الأميركي والإسرائيلي! وإذا كان المقال قد لقي ما يستحق من استهجان، كما لقي كاتبه الكثير من الهجوم، فإن ذلك لم يمنع من استمرار التوجه الهجومي للدبلوماسية الأميركية على مصر والعالم العربي كله. واستمرار السفير في محاولة التدخل في الشئون الداخلية.. من قضية سعد الدين ابراهيم الى مختلف قضايا السياسة والاقتصاد والمجتمع الذي تطالب واشنطن باعادة صياغته (مع غيره من المجتمعات العربية والاسلامية) طبقا للمواصفات الأميركية! وقبل أيام ذهب السفير الأميركي الى مدينة أسيوط في أقصى صعيد مصر في مهمة اعلامية دعائية يشارك فيها في افتتاح مشروع صغير حصل على معونة صغيرة من المساعدات الأميركية.. والملاحظ هنا ان السياسة الأميركية منذ رفض تمويل السد العالي تقوم على عدم المساعدة في المشروعات الكبيرة للتصنيع والتركيز على المشروعات الصغيرة التي تصل فيها المساعدات مباشرة للمواطن.. فالهدف ليس المساعدة على بناء النهضة، وانما استغلال المعونة لتكثيف التواجد الأميركي. المهم ان السفير ذهب الى اسيوط للمشاركة في المناسبة، وهناك حرص على الالتقاء بطلبة وأساتذة جامعة أسيوط في حوار تم ترتيبه ضمن قيود تكفل ان يتم بهدوء وايجابية وتتيح للسفير شرح سياسة حكومته ومحاولة تسويقها. ومع ذلك فقد وجد السفير نفسه محاصرا بالاسئلة حول انحياز بلاده ضد العرب والمسلمين وسياستها الكارثية نحو فلسطين والعراق ومخططاتها للسيطرة الكاملة على المنطقة. ومع ان السفير كان مستعدا ـ كما يبدو ـ بالاجابة الجاهزة عن هذه القضايا، فإن الموقف كان مختلفا حين وقفت استاذة بكلية الطب بجامعة أسيوط تعلن ان اسمها هو الدكتورة مارسيل نسيم جرجس وتطلب الكلمة ولعل السفير توقع ما يخفف من الهجوم الذي يحاصره حين بدأت الاستاذة مارسيل بالحديث: - أنا ـ يا سيادة السفير ـ مصرية مسيحية واحتل موقع رئيس القسم في كليتي، ولا يوجد أمامي أو أمام غيري من المسيحيين أي عائق للترقي في مصر.. فما الذي تتحدثون عنه في تقاريركم عن اضطهاد المسيحيين؟ وما هذه الحملات الاعلامية ضد مصر؟! وقبل أن يفيق السفير من دهشته، كانت الأستاذة مارسيل تتحدث بما يؤكد ايمانها المسيحي فتقول له: إن الانجيل قرر انتهاء دولة أورشليم وأنها لن تعود للوجود مرة أخرى، فما الذي تحاولونه في أميركا؟ أم أن الصهيونية أصبحت هي المتحكمة في الإدارة الأميركية؟! ولم يجد السفير النشيط ما يرد به على الدكتورة مارسيل، فاعتصم بالصمت العاجز، ولعله يفكر ـ بعد ذلك ـ فيما سمعه، ويدرك أن لعبة الفتنة الطائفية لا تصلح في مصر، ولعله ينصح رؤساءه في الإدارة الاميركية أن يعيدوا قراءة التاريخ فلن يكونوا أشد مهارة من احتلال انجليزي استمر أكثر من سبعين سنة يحاول زرع الفرقة بين الاقباط والمسلمين وانتهى الى الاعتراف بأن ذلك مستحيل فأقباط مصر مسلمون وطنا وثقافة وارضا، كما اعترف المعتمد البريطاني الذي كان يحكم مصر في هذه الفترة بعد كل ما مر به من تجارب وما قام به من محاولات. والحديث عن الوحدة الوطنية في مصر حديث مكرر ومعاد، ومع ذلك فلابد من التأكيد عليه كلما اشتدت محاولات الاعداء لزرع الفتنة، ولابد من الوقوف امام تجلياته اليومية التي هي زاد الأمة في مصر وهي تزرع الأرض على مدى ألوف السنين وتزرع معها فعل المحبة وروح التسامح، في وقت كان الذين يتشدقون الآن كذبا بالحديث عن حقوق الإنسان يتسلون بإبادة شعوب بأكملها ليقيموا دولتهم، ويمارسون أبشع صنوف العنصرية والتمييز بين البشر، ويبنون أوطانا تقام فيها السياج بين الطوائف ويمارس القهر بسبب الدين أو الجنس أو اللون. القصة قديمة، ومع ذلك نلتقي يوميا بما يؤكد روح المقاومة لكل محاولات الاعداء لقهر هذا الوطن من الداخل.. وبالأمس فقط كنا نسهر مع قصة صديقنا عالم الازهر الشهير وهو يرقد منذ أسابيع في المستشفى انتظارا لجراحة خطيرة أجرها بحمد الله بنجاح. وفي فترة الانتظار يتلقى مكالمة هاتفية من سيدة تقول له انها شاهدته قبل ذلك في التلفزيون يلقي أحاديثه الدينية بسماحة ومحبة، وانها قرأت في الصحف نبأ مرضه وبادرت بالاتصال ترجو له السلامة، وتخبره انها ـ وهي القبطية ـ ذهبت الى الكنيسة وأوقدت شموعا للعذراء وصلت هناك طلبا لسلامته. ومرة أخرى.. القصة ليست جديدة تماما، ولكننا نحتاج لتأكيدها في هذه الفترة التي ينطلق فيها اعلام أميركي صهيوني، يساعده ـ للأسف الشديد ـ عجز عربي واسلامي، ليصور لنا أن ابن لادن هو الممثل الشرعي للإسلام، وأن الارهاب هو السمة الرئيسية للمسلمين، وأن الحرب الصليبية التي أعلنها بوش بعد أحداث 11 سبتمبر، وثبت ان التخطيط لها كان سابقا للحدث الخطير، هي العلاج الوحيد لأمراض المسلمين المزمنة من ارهاب وتخلف وفقر وفساد! وهنا نقف أمام القرار الأخير الذي صدر في مصر باعتبار الاحتفال بعيد الميلاد الذي يحتفل به أقباط مصر في السابع من يناير من كل عام اجازة رسمية لكل المصريين تعطل فيه المصالح والشركات والبنوك والمدارس. وكانت الاجازة قبل ذلك تمنح في هذا اليوم للأقباط فقط. وهو قرار لقي ترحيب الجميع، وأظن انه تأخر سنويا، وان كان المصريون ـ وبدون قرار رسمي ـ كانوا يجدون طريقهم للمشاركة في كل شئ. فأعياد المسلمين والأقباط هي أعياد للجميع، والمسلمون يزورون الكنائس ويتبركون بالعذراء وبماري جرجس، كما يتبركون بآل البيت وأولياء الله الصالحين، والأقباط يشاركون المسلمين أعيادهم ويبادلونهم الفرح والتهنئة، ويطربون لأم كلثوم وهي تغني نهج البردة، ويبكون وهم يسمعون ترتيل الشيخ رفعت لسورة مريم، بل ان المصريين «اخترعوا» لهم عيدا قوميا في بداية الربيع وهو عيد شم النسيم.. يخرج فيه الجميع _ أقباطا ومسلمين ـ يعانقون الطبيعة في هذا اليوم الذي توارثوا الاحتفال به من أجدادهم الفراعنة. وأتذكر هنا أياما سيئة الذكر في اخر عهد الرئيس السادات حين اندلعت أحداث طائفية في ظل ازمة سياسية شاملة انتهت بعد ذلك بوضع أقطاب المعارضة من كل التيارات السياسية في السجن، وبإبعاد البابا شنودة وفرض الاقامة الجبرية عليه. في ظل هذا المناخ الكئيب صدرت اوامر البابا بمنع الاحتفالات بالأعياد. ومع أن معظم الأقباط كانوا يؤيدون البابا شنودة في موقفه، الا أنهم وقفوا مترددين أمام قرار منع الاحتفالات، ومع أن الكل التزم بالقرار من الناحية الرسمية الا أنهم فتحوا الكنائس للالتقاء بإخوانهم المسلمين الذين جاءوا يهنئون بعيدا عن أي خلاف مع الحكم، أو أي أحداث طارئة يتسبب فيها المتعصبون هنا وهناك، وتكمن وراءها مصالح أجنبية مشبوهة تعرف أن كسر الوحدة الوطنية هو الطريق لضرب مصر في أعماقها. هل يعني ذلك ان كل شئ سمن على عسل كما يقولون، بالطبع لا.. فهناك مشاكل، ومن الطبيعي ان توجد هذه المشاكل وان تستمر الجهود للتعامل معها، وقبل أسابيع كانت هناك تصريحات للبابا شنودة أبدى فيها الاستياء من قلة المشاركة القبطية في العمل العام، ودلل على ذلك بعضوية البرلمان الذي لا يضم الا اثنين من الأقباط جاءوا بالتعيين وليس بالانتخاب. والشكوى طبيعية، وإن كنت ـ مع غيري ـ أفضل أن تجيء من رجال السياسة وليس من البابا نفسه، فهذا شأن يتعلق بأمور الحياة السياسية في مصر، وعلاجه مسئولية الجميع ـ مسلمين واقباطا ـ ورغم ان البابا شنودة برر الأمر بأن ما قاله كان في لقاء خاص تم تسريبه الى الصحافة واستغلاله استغلالا سيئا في تصوير الوضع وكأنه شكوى عامة من اضطهاد مزعوم للأقباط، فإن مايجب التأكيد عليه في هذه القضية وغيرها هو: ـ إن ضعف تمثيل الاقباط في البرلمان ناتج عن ضعف مشاركتهم في الحياة السياسية وليس عن رفض لوجودهم في هذه الحياة، أو قوانين تمنع هذا التواجد. ـ ان ضعف مشاركة الأقباط في الحياة السياسية، تزيد من وطأته الأزمة التي تشمل الحياة الحزبية، وضعف دور الأحزاب، والحاجة الى الخروج من الركود الذي يسيطر على الحياة السياسية ويشكل حركة الأحزاب في مصر. ـ إن ضعف الأحزاب ومحاصرة النشاط السياسي ترك المجال واسعا لدعوات التطرف التي تتاجر باسم الدين وكان المجتمع ـ بكل مواطنيه ـ هو الضحية لجماعات الارهاب التي وضعت الجميع في خانة التكفير. وإذا كانت مصر قد وقفت كلها صفا واحدا في وجه هذه الدعوات، وأقامت تحالفا وطنيا استطاع ان يقمع الارهاب في وقت كانت أميركا وحلفاؤها يمنحونه الدعم والمساندة، فإن التجربة تفرض رؤية جديدة تعيد للحياة السياسية والحزبية روحها المفتقدة، وتخرج المجتمع من الجمود السياسي، وتتيح للجميع المشاركة الفعالة في حياة ديمقراطية قادرة على قيادة المجتمع في حربه ضد الفساد والفقر ومن أجل التنمية والنهوض. ـ إن مصر كلها ـ بأقباطها قبل مسلميها ـ ترفض التدخل في شئونها الداخلية ولن تقبل أجندة أميركية تفرض عليها. والمحاولات الاميركية الصهيونية المفضوحة لاثارة الفتنة الطائفية، أو للزعم بأن هناك اضطهاداً يمارسه المسلمون على أقباط مصر.. سقطت جميعها حتى الآن بسبب واحد أصيل: إن مصر كلها ـ بأقباطها ومسلميها ـ تعرف مراميها وترفض الانقياد لها. وأي خطوات للإصلاح السياسي لابد أن تنطلق من حقيقة أن مصر ترفض التقسيم الطائفي والديني. وتصر على أنها الوطن الذي يظلل الجميع. وقبل سنوات رفض أقباط مصر محاولة قام بها الدكتور سعد الدين ابراهيم لعقد مؤتمر لمناقشة مشاكل الاقليات في العالم العربي. وكان رفض أقباط مصر قاطعا لمحاولة التعامل معهم كأقلية.. فليس في مصر أقلية وأغلبية، بل نسيج وطني واحد ينتظم الجميع. ولم يكن هذا الموقف طارئا، بل هو أحد أسس العمل الوطني في مصر منذ زمن بعيد. وقد حاول الانجليز أن يضعوا في الدستور الذي صدر 1923 ما يتيح للأقباط تمثيلا برلمانيا نسبيا، ولكن المفاجأة كانت أن الأقباط أنفسهم رفضوا ذلك، وتمسكوا بالنسيج الواحد للأمة، وتم احباط المؤامرة البريطانية. ـ إننا ونحن نواجه الآن هذه الهجمة الاميركية لاخضاع الأمة والسيطرة على مقدراتها لا ينبغي أن نفقد الرؤية للطبيعة الشاملة للمعركة التي نخوضها، ولا ينبغي أن نسلم مطلقا بأن موازين القوة تفرض علينا التسليم بالحل الأميركي الصهيوني لمشاكلنا وقضايانا. وفي نفس الوقت لا ينبغي ان نخفض رأسنا في الرمال، ولا ينبغي أن نظل نردد: ماأجملنا!! حتى ونحن نعيش عصرا من التردي والعجز لابد أن نجتازه. لسنا قوما من الهمج المتعطشين للدماء كما تحاول الدعاية الصهيونية الاميركية ان تصورنا ولسنا الصانعين للارهاب بحكم العقيدة والتخلف كما تردد الآلة الاعلامية لاعدائنا، بل العكس هو الصحيح. فالارهاب كان ومازال صناعة غربية، والارهابيون الذين خرجوا من عندنا لم يخرجوا من مدارس الازهر بل من مدارس المخابرات الاميركية في افغانستان وباكستان. والعداء للديمقراطية ليس حالة طبيعية في ثقافتنا وديننا، بل العكس أيضا هو الصحيح.. فديننا الحنيف هو دعوة لحرية الإنسان ولاطلاق طاقاته في الابداع، وثقافتنا هي التي وضعت للعالم كله جذور نهضته العلمية وحضارته الراهنة. وعندما يأتي وزير خارجية أميركا كولين باول ليطرح مبادرته لتعليم العرب الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويرصد لدعوته الهزلية 29 مليون دولار أي بواقع دولار واحد لكل عشرة من العرب، فإننا نقول له وفر ياسيدي أموالك التي لا تستهدف الا اخضاع ارادتنا وتشويه صورتنا أمام العالم باعتبارنا بؤرة الارهاب التي تحاربها أميركا الديمقراطية التي تمنح اسرائيل ـ في نفس الوقت ـ أربعة مليارات دولار لتستكمل مهمة ابادة الشعب الفلسطيني ـ وتعدها بعشرة أخرى لخدماتها في الحرب المرتقبة على العراق. نعم.. لدينا مشاكلنا في بناء الديمقراطية وقهر التخلف، ونحن مطالبون بالتصدي لها وقادرون على ذلك، وكل ماهو مطلوب من أميركا وحلفائها أن يتركونا نفعل ذلك. أن يرفعوا أيديهم عنا، وان يتوقفوا عن نهب ثرواتنا ومحاصرة كل محاولاتنا للنهضة المستقلة. أن يدركوا أن دورهم في الجريمة التي ترتكبها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني سيدفعون ثمنها غاليا. ان يفهموا ان تجربة ابادة الهنود الحمر لا يمكن تعميمها في العالم كله. أن يوقفوا عداءهم للعرب الذي يتحول ـ بفعل الهوس والغطرسة ـ الى حرب صليبية لن يخضع لها العالم العربي، بل سيقاومها ـ كما قاوم الحملات الصليبية الأولى ـ بمسلميه ومسيحييه معا. لأن العرب يومها كانوا يدركون الحقيقة، ويعرفون ان الصليب الذي تحمله الجيوش المعتدية ليس الا محاولة لستر الاطماع الاستعمارية. ولن يختلف الحال اليوم حين يكون الصليب الزائف الذي يعرفونه يحمل اسم الديمقراطية أو حقوق الإنسان التي يدعون أنهم جاءوا لفرضها بتسعة وعشرين مليون دولار كما يقول «المعتدلون» وبالأسلحة الذرية كما يهدد صقور الإدارة المسيحية جدا.. كما تقول!! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية