الاحد 18 شوال 1423 هـ الموافق 22 ديسمبر 2002 كلنا قانعون بأن المنطقة على عتبة حرب ثالثة. ما من سبيل أمام العراق لتفادي العدوان. المعجزة التي راهن عليها طارق عزيز يائساً وقانعاً لمنع حدوث الضربة الأميركية لن تأتي حتماً. كان طارق عزيز واقعياً للمرة الأولى، ربما الأخيرة. الحرب باتت واقعاً لأكثر من دافع، ليس مهماً نهاية صدام أو اقتلاع النظام، المسألة لم تعد توقيت رصاصة البداية، القضية محور البحث أصبحت تحديد النهاية. حمى الحرب بدأت بالفعل تنهش في اللحم، لن يمر وقت طويل لتنال من العصب وتعض العظم حتى الانكسار. كلنا قانعون بحتمية الحرب، ما منا من يتحرك ليفعل شيئاً، ليس بالضرورة درء الخطر الماحق، ذلك فوق المستطاع، ربما حماية شيء ما. الحرب باتت واقعاً ليس لها من دافع. ياللعجز العربي الفادح، الجميع في حالة انتظار قصوى، ثمة قبول ذليل بالذي يأتي والذي لا يأتي. الحرب بدأت بالفعل، المفتشون الدوليون يشكلون فرقة استطلاع أميركية، ليس مهماً المعلومات الاستخباراتية المزودة بها، الأكثر أهمية حصيلة تقاريرهم العراقية التي تعين غرف العمليات العسكرية. المسرح بات مهيأ تماماً للحدث المرتقب، الممثلون في كامل القعود، الجمهور يلتزم الصمت وعينه على الخشبة، الصالة معتمة الأنوار، الشرفة الرئيسية تضج بالقامات الموشاة بالفضائح، الحراس في اجازة قسرية. الكل يحدق في الستارة المعلقة، خلف الكواليس يتم الاعداد للحرب. ما من أحد يراوده الشك في وقوع الحرب، الصمت الوقور يمنح اشارة خضراء للأساطيل المتدافعة باتجاه بحر العرب. هل في العراق من يؤمن بممارسة القتل الرحيم؟ لم يعد هناك جدل عربي حول العملية الدامية، الأكثر جرأة لجهة الرفض يريد ذبحاً نظيفاً، بعض يشترط عدم توريطه على نحو مباشر في اللعبة القذرة. الحرب بدأت بالفعل بمشاركة الجميع، من يغض الطرف عما يجري يدرك انه يقدم بذلك دعماً فاضحاً للعدوان، الصمت الخجول يمثل أكثر التواطؤ تطرفاً، مياه دجلة والفرات لن تغسل الأيدي المغمسة في المؤامرة. الكلام كان مجد العرب، فكيف ابتلعت الأمة لسانها الرسمي على هذا النحو الأخرس؟ الحرب بدأت ولا أحد يستطيع تحديد نهاياتها في الزمان والمكان، العدوان سيتوغل في تلافيف المنطقة، المهمة لا تستهدف اعادة بناء المنطقة. الأقرب للواقع هو ابقاؤها مدمرة. هل كانت أسلحة الدمار الشامل في العراق ستفعل ذلك أيضاً؟ الحرب الخليجية الثانية شرخت المنطقة العربية شطرين، شطر اندفع مع الحلفاء، فسطاط شكل دول الضد، الحرب الثالثة جرفت المنطقة برمتها الى هاوية التأييد الأعمى، كل المنطقة تعشعش فيها الحمائم، المنطقة ملاذ للصقور المهاجرة. الحرب السابقة أمتعتنا بالمتابعة على الشاشة البلورية، الصواريخ العابرة للمسافات الطويلة المدى المنطلقة من الغواصات اقتحمت غرف نومنا آخر الليل، الفضائيات نسجت ألفة محبة بيننا وبين أطنان القذائف التي كانت تصهر عظام بغداد، كأنما كانت تلك الحمم المضيئة تمنحنا احساساً بالدفء ونحن نتدثر بالصمت وبالألحفة في الليالي الشتائية. الحرب الثالثة تخترق سقف الدهشة التلفزيونية لتلج بنا حقبة جديدة من ثورة المعلومات، ها نحن دخلنا عصر الحرب الرقمية، قاعدة العديد تشهد المناورات الكمبيوترية، الأسلحة المكدسة في المستودعات العربية باتت خارج العصر. الشركات الأميركية ستطالب بمليارات مضاعفة لتحديث الآلة العسكرية العربية. لابأس أن نمسح بمليارات الدولارات الصدأ عن ماكينتنا الحربية. لايزال هناك من يصلي بالآية الكريمة «وأعدوا لهم ما استطعتم..». السؤال العربي المعلق من يعد لمن ليرهب به من؟ حمى الحرب تزداد ارتفاعاً وتصاعداً. المنطقة في حالة ارتعاش، حين تضع الحرب الثالثة أوزارها لن تكون المنطقة هي المنطقة حتماً.