السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 لنا مع المطر حكايا وسير وفرحة علمتنا اغانيها الصحراء العطشى والجبال التي ينتظر عشبها اليابس زهر الصخور، ولنا مع المطر قصص روتها الجدات في الليالي الباردة، عن الرعد والبرق وحبات البرد اللؤلؤية، عن صوتها وصفائها ونقائها.. لنا مع المطر امنيات يغسلنا بها، يطهرنا من هذا الحزن وهذا الالم المحاصرين به ليل نهار، ننتظر المطر لاننا الاكثر احتياجا لذلك الاغتسال، فما عادت الايام نقية كما كانت، وما عاد غبارها مسالما كما كان.. ليس المطر ماء تكون في السماء، لكنها الرحمة التي تحل ما في السماء إلى طهر ينزل باردا نقيا صافيا لم تمسه يد بشر، ولا تعبث فيه آلة المصانع.. نحن احوج الناس اليه في هذا الوقت العصيب، نحتاجه لكي يغسلنا وينقينا ببرده، يهطل على الصحراء الموبوءة بالبارود والحديد، يهطل على البحار المرتجفة من حضرة الموت، يهطل على الاشجار يهديء روعها، يمسح أوراقها الخضراء الواجمة في صمت انتظار ما سيحترق، يهطل على قمم الجبال فيجعلها لامعة، ساطعة، بارقة تصهل بالحضور.. يهطل على روع البسطاء.. يؤجل احزانهم والخوف الذي يقتلع ضلوعهم في الليل الذي تهجره الاقمار هربا من صراخ الطائرات المرعبات، يهطل على حمامات مجنحات في سماء غربتهن، حينما تحل الخناجر في امكنة الغصون الخضراء.. يهطل ويهطل اقوى من رصاصات الظلم والاستبداد والاستعباد.. يهطل ويهطل قويا ليتغلغل في عظام الذين هادنوا واستكانوا للبؤس واليأس والسلام والسكينة الزائفة، ينقيهم مما حاق بالارض من دنس النفوس الخائبة، يقويهم ويصلب اعوادهم ليعودوا فرسانا فوق التراب المبتل بالطهر.. نحتاجه الآن ليس مطرا من ماء، نحتاجه اكثر في الدلالات التي روعتنا واغرقتنا في اوحالها حتى طارت الوان الحقائق من جفافها وكذبها وزيفها، نحتاجه ليغسل البلدان والقرى والمارين بها، ليغسل عذابات اليتامى وعطاشى السكينة والسلام.. مطر.. يغسل ارض الله الواسعة من كل افاكٍ وظالمٍ وغازٍ..