السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 في ديسمبر من العام 1990 (أي قبل 12 عاماً) انعقدت قمة التعاون الخليجي في الدوحة، ويومها كانت المنطقة تواجه زلزالاً بدا وكأنه يقود الجميع نحو الهاوية اثر احتلال العراق للكويت، ما أدى لاستدعاء القوات الاميركية في أضخم تظاهرة عسكرية عرفها تاريخ الازمات بين الدول وذلك من أجل اخراج القوات العراقية من الكويت، ويومها يتذكر الجميع بأن اقطاب دول التعاون قد حشدوا لقمتهم ادارة سياسية موحدة لم تشهدها القمم السابقة، كما انها لم تتكرر فيما بعد. لم يعتذر أحد، ولم يتغيب أحد، وقد حضر الجميع مسلحين بوحدة الكلمة والموقف، وانفضت القمة عن بيان جماعي وافق فيه الجميع بالاجماع على اعلان الحرب ضد العراق من أجل تحرير الكويت بالاستعانة بقوات التحالف تحت لواء الولايات المتحدة، لقد كان الملف العراقي هو العنوان الصارخ ولكن العراق يومها كان جانيا ومعتدياً!! اليوم يعيد التاريخ نفسه، ومن الدوحة مجدداً وليس بعيداً عن قاعدة العديد التي تضم أكبر تواجد للقوات الاميركية في الخليج، وها نحن مجدداً في ديسمبر، وها هي القمة الخليجية تنعقد في العاصمة القطرية وعلى جدول اعمالها ملف العراق مجدداً، لكن العراق اليوم مجني عليه ومستباح ومنقوص السيادة على حد تعبير د. البرادعي مدير وكالة الطاقة الدولية، المواقف تغيرت ايضاً رأساً على عقب، فأقطاب التعاون اليوم يحضرون بتمثيل لا يتساوى مع خطورة الموقف، مع وجود خلافات تبدو خطيرة وعاصفة. في تصورنا فإن الخطر الداهم أكبر من مجرد خلافات عالقة لسبب أو لآخر، فهذه يمكن التغلب عليها لاحقا والقفز فوقها لمصلحة الجميع، ذلك ان المنطقة على شفى انفجار حرب أخرى تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا ويعلن عن اشتراك «اسرائيل» فيها وبصوت عالٍ لم يحدث من قبل أبداً بهذا الشكل، أما الأسباب فهي أميركية بحتة، ومع ذلك فهي غير منطقية، وغير أخلاقية، وغير مقنعة لأبناء الخليج. نحن نعترف بأن حرب عاصفة الصحراء التي شنتها قوات الحلفاء ضد العراق عام 1990 وقادتها الولايات المتحدة بالوكالة عن دول الخليج، كان لها ما يبررها في سياق أحداث تلك الفترة، وفي ظل انهيار عسكري عربي، وانهيار خليجي لم يصمد أمام كارثة احتلال بلد عربي لبلد آخر شقيق، ما استدعى قوات اجنبية للقيام بمهمة كان يفترض على العرب أن يقوموا بها داخل بيتهم الموحد (الجامعة العربية) التي انكشفت يومها، فاذا بها بيت عنكبوت متهاو لا أكثر!! إن الحرب ضد العراق والتي تتصاعد نبرتها هذه الأيام، وتتصاعد مؤشرات اندلاعها يوما إثر آخر، ليست حرب أبناء الخليج أبداً حيث لا ناقة لهم فيها ولا جمل وهم بريئون من كل استتباعاتها ونتائجها، هي حرب الولايات المتحدة وحرب الادارة الاميركية بكامل أركانها وعلى رأسهم بوش المهووس بفكرة القضاء على العراق، كما أنها حرب اليهود الصهاينة الذين يحكمون الولايات المتحدة من داخل مؤسسات صنع القرار في واشنطن وتل ابيب، وهي حرب كل الذين أعطوا الولايات المتحدة موافقات صريحة ومفتوحة لاستخدام أراضيهم مقابل الرضا والمعونات والحماية وأشياء أخرى!! في كل القمم السابقة كانت مطالبنا واضحة ومعروفة، فقبل كل اجتماع كنا نرفع أمنياتنا مذكرين القادة بما وعدنا به منذ سنوات: قوات الدفاع المشتركة، العملة والجواز الموحدان، حرية التنقل والاستثمار، السوق الخليجية المشتركة، التشريعات والقوانين الموحدة و... الخ، أما اليوم، والقمة منعقدة في الدوحة، فنحن جميعاً نظماً وشعوباً في مواجهة بركان على وشك الانفجار، سيدمر الجميع ولن ينجو منه احد، المحايدون والصامتون وحتى اولئك الذين يقدمون كل ما لديهم لتسير مهمة تدمير العراق على أكمل وجه!! ما هو المطلوب من قمة الدوحة اليوم طالما ان الولايات المتحدة قد حسمت أمر الحرب ضد العراق بنسبة 99%؟ ليس مطلوبا ان تتصدى دول التعاون للولايات المتحدة وبريطانيا فذلك طلب يشبه المحال، لكننا على الاقل ان لم نكن قادرين على فعل التصدي والمواجهة فبامكاننا الوقوف مع العراق وليس مع الولايات المتحدة برفض كل فعل من شأنه ان يقود لضربة مؤكدة، وبامكان الدول التي شرعت كل الأبواب للتعاون مع «اسرائيل» ان تغلقها تماماً. كما ان بامكاننا دفن خلافاتنا تحت السجادة مؤقتا من أجل فعل رافض ايجابي حتى لا يبدو الامر وكأننا اخذنا اجازة مفتوحة من القضية كلها وكأنها لا تعنينا، أما اولئك الذين يشجعون على ضرب العراق جهاراً فبامكانهم بلع لسانهم قليلاً لان الوقت لا يسمح بطرح جهالات الثأر أبداً! اما اصحاب التسهيلات فأمرهم متروك لهم ولأجيالهم ولمشروع الدمقرطة وللتاريخ طبعاً.