السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 بصدور قرار مجلس الأمن رقم 1441 بديباجته ومواده المتعلقة بالتفتيش الدولي على أسلحة الدمار الشامل في العراق، وخلوه من أية إشارة الى امكانية استطراد عملية التفتيش الى بقية دول منطقة الشرق الأوسط، أصبح احتمال استثناء اسرائيل بحيازة هذه الأسلحة أمرا قائما. وبذلك فوت النظام العربي فرصة كبيرة كان بوسعه انتهازها، لإعادة التأكيد على مبدأ تعميم اخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل على غرار ما حدث عام 1991 غداة حرب الخليج الثانية. ففي ذلك العام طرح مجلس الأمن هذا المبدأ في الفقرة الرابعة عشرة من قراره رقم 687، التي نصت على أن يكون تدمير الأسلحة العراقية خطوة نحو اقامة منطقة خالية من هذه الأسلحة في الشرق الأوسط. هكذا بمنطوق القرار.. ومع أن مرور أكثر من عقد على هذا القرار، واخضاع العراق لأكثر من جولة ممتدة ومعمقة لعمليات التفتيش، كان كفيلا بالتذكير بضرورة التطرق الى تطبيق هذه الفقرة، إلا أن الواقع الفعلي لم يشهد محاولة من هذا القبيل على أي نحو جاد من جانب الجهات المعنية دوليا: مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية والموقعين على معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل. كذلك لم تلتفت هذه الجهات الى النداءات والدعوات العربية المتكررة على المستويين القطري والقومي، بما فيها مقررات القمم العربية المتوالية، بهذا الخصوص. غير أن المفاوضات الدولية المضنية التي مهدت لصدور القرار 1441، كانت مناسبة مثالية للالحاح على تشغيل قضية الاخلاء الشامل، أقله عبر الربط بين هذا القرار والقرارات السابقة ذات الصلة وأهمها القرار 687. وفي تقديرنا، أن إغفال عملية الربط هذه جاء متعمدا.. وعن سابق اصرار وقصد من الدبلوماسية الاميركية، وذلك ضمن هدف بعيد الغور يتعلق باسناد السياسة الاسرائيلية الرامية لمأسسة الاستثناء الاسرائيلي من نبذ أسلحة الدمار الشامل، الذرية منها بخاصة، من منطقة الشرق الأوسط. بمعنى أن يقر المجتمع الدولي في مرحلة لاحقة بانفراد اسرائيل بانتاج هذه الأسلحة وحيازتها لها في النطاق الاقليمي، على غرار اقراره باغلاق النادي الذري على بعض القوى الكبرى في النطاق الدولي. نطرح هذا التشوف وفي الذهن أن أحد ثوابت السياسة الاسرائيلية والفكر الاستراتيجي الذي تقوم عليه، منع واجهاض أية محاولة عربية «اقليمية» لتطوير القدرات التقنية والعسكرية خارج اطار التسلح التقليدي، سواء جرت هذه المحاولة بالامكانات الذاتية أو عبر مساعدة الغير. وقد تم تطبيق هذا الثابت في السابق بلا تردد.. ومن غير المنتظر أن تتسامح تل أبيب - والولايات المتحدة من ورائها ظهير - في التعامل معه على أي مدى منظور زمنيا. ومن المعلوم أن اسرائيل بادرت بتدمير المفاعل النووي العراقي أوزاريك.. في عرض عملي لهذا التوجه قبل أكثر من عقدين. وهي عاكفة بلا كلل على متابعة برامج التسلح الايرانية من المنطلق ذاته. ومع أن الدبلوماسية الاسرائيلية ظلت تذرع المجال الدولي طولا وعرضا.. وتستخدم كل أدوات الضغط الظاهرة والباطنة، مدعومة دوما بمقدرات العملاق الاميركي، لأجل الذود عن تفردها بالرادع فوق التقليدي مقابل المحيط العربي والاقليمي، إلا أنها ظلت تدرك وجود سقف لنجاحها في هذا الغرض. فحقل العلاقات الدولية بتعقيداته وتشابكاته، يحتفظ للجانب العربي بهامش من فرص الافلات من الرقابة الاسرائيلية الاميركية والتسلل الى امتلاك بعض مقومات هذا الرادع. والظاهر أن اسرائيل هي الآن بوارد تصدير مفهومها عن التفرد والاستثنائية لحيازتها الأسلحة غير التقليدية شرق أوسطيا الى القوى الدولية، بل والتنظيم الدولي أيضا. من مداخل هذا التوجه، بذل جهود مضاعفة مع القوى المستحوذة على المعرفة العلمية والتقنية اللازمة لتطوير هذه الأسلحة بهدف حجبها عن المنظومة العربية ومحازبيها، وتستخدم اسرائيل في ذلك كافة أدوات المساومة المشروعة منها وغير المشروعة. وكانت المخابرات الاسرائيلية قد تدخلت بقوة في الستينيات لمنع بعض العلماء الألمان من التعاون مع دول عربية في تطوير أسلحتها الصاروخية، وصولا الى محاولة اغتيال من لا يرعوى منهم بمحض التهديد والابتزاز عن بعد، وينتمي الى هذه الجهود، التلويح بالزعم الشائع عن الطاقة الكبيرة والنفوذ اللذين يمكن أن تضغط بهما الدولة اليهودية عبر أذرعها الصهيونية الاقتصادية والمالية، لأجل مكافأة أو معاقبة المتعاونين من الدول والشركات أو الأفراد مع برامج التسلح العربية.. وفي كل الحالات كانت الولايات المتحدة بمثابة الطرف الثالث، الحاضر باستمرار، لمشاركة السياسة الاسرائيلية في هذا الباب.. وما ممارسة واشنطن لضغوط جبارة على موسكو أو بكين أو نيودلهي وبعض العواصم اللاتينية.. فضلا عن اسلام أباد، دعما للتوجهات الاسرائيلية، ببعيدة عن الأذهان. ويقينا فإن تصنيف كوريا الشمالية ضمن محور الشر ينطلق في بعض مبرراته من خلفية مشابهة، ومن استشعار الحليفين الاسرائيلي والاميركي لصلابة موقف بيونج يانج تجاه هذه الضغوط، وكسرها لطوق العزلة المطلوبة على المحاولات العربية لمعادلة الرادع الاسرائيلي غير التقليدي. على أن التوجه الاسرائيلي يتطلع - راهنا ومستقبلا - الى ما هو أجدى من التوسل بدبلوماسية الضغوط الموسمية التي يمكن اختراقها. فثمة في أفق النظام الدولي ما يسمح لاسرائيل بالسعي الى حسم احتكارها لقوة الردع اقليميا والتخلص من المماحكات العربية، أو العربية الاسلامية، المضادة لهذه الحالة. فالحليف الاميركي يكاد ينفرد بتحديد ما يجوز وما لا يجوز في اطار المقاربة الدولية لقضية انتشار أسلحة الدمار الشامل. ومن الآيات الأخرى هذا الاستفراد المفضي الى تحقيق مصالح اسرائيل، الاتجاه الاميركي الى تعميم وتقنين مفهوم الحرب الوقائية والضربات الاستباقية ضد أعداء محتملين، وتعريف الارهاب على مقاس المفهوم الاسرائيلي لنبذ شرعية المقاومة، وتمرير قضية ارغام بعض الدول دون البعض - ومنها اسرائيل أساسا - على الامتثال للقرارات الدولية تحت طائلة العقاب المسلح.. فلماذا لا تطمع اسرائيل في جعل احتكارها للتسلح غير التقليدي في الشرق الأوسط مسألة طبيعية مسلم بها من جانب الجهات الدولية المعنية؟! بكلام آخر تستبصر اسرائيل في تمرد واشنطن على كثير من القواعد والمثل القانونية التي تكرست في سياق عهد الثنائية القطبية، واحلالها بقواعد أخرى تتسق وعهد الاستفراد الاميركي بقمة النظام الدولي وتجلياته في العلاقات الدولية، تستبصر في ذلك بيئة مواتية لتمرير مفهوم انتهازي لقضية حدود انتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، بحيث تجري مأسسة احتكارها لهذه الأسلحة.. وضمان اغلاق الأبواب على مقارعتها أو منازلتها في هذا الاطار، سواء عبر المطالبة بنزع أسلحتها أو باخضاعها للتفتيش والرقابة الدولية أو بسوقها للتوقيع على معاهدة حظر الانتشار أو.. بالتهاون مع أي نزوع عربي لحيازة ما يكفي لقيام حالة توازن للردع معها. القرار «1441» يوشك أن يفتح كوة في الموقف الدولي لتحقيق هذا الطموح. وأغلب الظن أن تغاضيه عن الاشارة بالتصريح «كشأن القرار 687» أو بالتلميح لتعميم مفهوم عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل أو التفتيش عليها في دول الشرق الأوسط، إنما يعكس مناخ المفاوضات الدولية التي هيأت له. لكن هذا التغاضي يعكس أيضا - وهذا هو الأهم - تراجع مكانة المنظومة العربية في هذه المفاوضات، قياسا بما كانت عليه هذه المكانة عند صدور القرار «687». لقد اضطرت ادارة جورج بوش عام 1991 الى صيغة القرار «687» بحسبها تكافئ محالفيها العرب فيما عرف بحرب تحرير الكويت، وتمهد لهندسة التسوية العربية الاسرائيلية أثناء التحضير لمؤتمر مدريد.. كما كانت تلك الادارة حديثة عهد بقمة النظام الدولي. لكن ادارة بوش الابن لها رأي آخر في زمن دولي آخر، وهي تكاد أن تكون رسولا للرغبات الاسرائيلية.. بعد أن نقلت العلاقة مع تل أبيب من الشراكة والتحالف الى طور الاندماج والانصهار. وقد أعطت هذه الادارة أذنا صماء للدبلوماسية العربية، على نحو ما مثلته دمشق مثلا بحكم عضويتها في مجلس الأمن، الهادفة لإحياء الفقرة 14 بالقرار «687» خلال المفاوضات حول القرار «1441»، غير أنه يصعب الجزم بما إذا كانت الدبلوماسية العربية قد بذلت الجهد المناسب لحمل القوى الدولية المتفاوضة، لاسيما أعضاء مجلس الأمن الدائمين فرنسا والصين وروسيا، على تبني رؤيتها بهذا الخصوص. إن فوات فرصة تضمين هذه الرؤية في صلب القرار «1441» لا يعني الاستسلام للتوجه الاسرائيلي. فانفراد اسرائيل بالرادع فوق التقليدي، النووي بصفة أساسية، ينطوي على خطر جسيم على الأمن العربي، بمعانيه القطرية والقومية. وذلك حتى في حال إقرار التسوية السلمية للصراع الاسرائيلي العربي. فلا ينبغي الملل أو اليأس من ملاحقة اسرائيل ومساءلتها عن برامج تسليحها غير التقليدي داخل المحافل الدولية وخارجها. مع الحرص على اعتبار قضية موازنة هذا البرنامج بأنماط الردع المثيلة أو البديلة المكافئة أو المعادلة هدفا استراتيجيا، يقود التخلي عنه الى مفاقمة توازن القوى الاقليمي لصالح اسرائيل بلا حدود. ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة