السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 لماذا دعا توني بلير الرئيس بشار الاسد الى زيارة بريطانيا وهو يعلم سلفا ان السياسة البريطانية والسياسة السورية تسيران على خطين متوازيين لن يلتقيا ابدا؟ كما كان متوقعا فان المحادثات التي جرت بين الأسد وبلير خلال الزيارة التي اختتمت يوم الاربعاء لم تسفر الا عن التأكيد على الفجوة الكبيرة في رؤيتي الدولتين تجاه مشكلة الشرق الاوسط ومستقبل العراق. واذا كان هدف رئيس الوزراء البريطاني هو التعرف على توجهات سوريا فانه لم يكن بحاجة الى عقد اجتماع قمة.. كان متاحا لرئيس الحكومة البريطانية ان يعرف ما يريد معرفته عبر القنوات الدبلوماسية العادية. فلماذا اذن وجهت دعوة الى الرئيس السوري ليشخص الى لندن؟ للاجابة عن هذا السؤال ينبغي ان نضع في الاعتبار ان بريطانيا لم تعد اكثر من ولاية أميركية وان رئيس حكومتها ليس اكثر من حاكم ولاية مسئول لدى سلطة مركزية في واشنطن. وعلى هذا النسق فان اي تحرك بريطاني كبير على الصعيد الدولي لن يحدث الا اذا سبقه توجيه من الادارة الأميركية. والدعوة البريطانية للرئيس السوري للتحادث على مستوى قمة مع رئيس الحكومة البريطانية ليست استثناء من هذه القاعدة. ولكن لماذا تهتم ادارة بوش أصلا باستطلاع الرؤية السورية نحو الشرق الاوسط والعراق بينما هذه الرؤية واضحة ومثبتة من خلال القول والفعل. ما الجديد.. اذا كان هناك جديد؟ يبدو أن هناك جديدا فعلا.. او بالاحرى ما تتوهم واشنطن انه جديد. الاشارة هنا الى الموقف السوري تجاه قرار مجلس الامن الدولي رقم 1441 بشأن العراق. فقد فاجأت سوريا العالم بالتصويت لصالح القرار. ويبدو ان الادارة الاميركية (ومعها توني بلير) رأت في هذا الموقف السوري ما قد يؤشر الى تحول جذري في السياسة السورية تجاه المسألة العراقية بما يمكن ان يعتبر لصالح الغرب. هذا الاستنتاج نستشفه من مقالة صحفية بقلم توني بلير نشرت في صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية عشية وصول الرئيس الأسد الى لندن وكأنها تهيئ الاذهان البريطانية لمجريات الزيارة. في هذه المقالة يتحدث بلير عن «تضييق رقعة خلافاتنا مع سوريا» معبرا عن اعتقاده بأن احتمال نجاح حواره مع الرئيس السوري يمكن «تلمسه» من عدد من التطورات «ليس اقلها قرار سوريا بالتصويت مع جميع اعضاء مجلس الامن الدولي الاخرين لمطالبة العراق بالتخلص من كل ما لديه من اسلحة الدمار الشامل». ويضيف بلير في مقالته ان هذا الموقف السوري كذّب توقعات «العديد من الخبراء». ومن هذا الطرح يستخلص بلير في مقالته ان «لسوريا حدودا طويلة مع العراق، وبالتالي لديها اسباب اكثر من معظم الاطراف الاخرى للتخوف من صدام حسين». ومن ثم يعيد بلير الى الاذهان ان سوريا «انضمت الى التحالف الدولي لتحرير الكويت وظلت مؤيدة لجهود المجتمع الدولي لضمان ازالة اسلحة الدمار الشامل العراقية». اذن المهمة التي كلف بها توني بلير من قبل جورج بوش هي استكشاف اذا كان الموقف السوري غير المتوقع بشأن القرار 1441 تمهيدا لنقلة نوعية للدبلوماسية السورية لغير صالح العراق. واذا كان هذا هو الهدف المفترض من وراء الدعوة البريطانية للرئيس السوري فان الهدف لم يتحقق فيما يبدو. فوفقا للصحافة البريطانية والصحافة الأميركية ظل الرئيس الاسد طوال الجلسات التفاوضية مع بلير يحذر من ان اي حرب ضد العراق لن تفلح الا في اشعال منطقة الشرق الاوسط برمتها. وفي تقديري ان الادارة الأميركية قرأت الموقف التصويتي السوري بشأن اسلحة العراق قراءة خاطئة. فاذا اخذنا في الاعتبار تلك المعركة الدبلوماسية حامية الوطيس التي اتصلت لمدى يقارب الشهرين داخل مجلس الامن الدولي بين الولايات المتحدة من جهة وفرنسا وروسيا من جهة اخرى فان القرار 1441 الذي افرزته هذه المعركة كان نسبيا افضل صيغة وسطية لصالح العراق. وربما كان هذا هو الحكم الذي توصلت اليه الحكومة السورية بعد مشاورات مكثفة مع كل من الحكومتين الفرنسية والروسية. والآن وبعد ما يقارب الشهر من تطبيق القرار ميدانياً ودوران آلة التفتيش على الأسلحة في العراق فان ما يزداد وضوحا كل يوم ان الطرف النادم على القرار 1441 ليس العراق.. وانما الولايات المتحدة.