السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 تجبر لعبة «البوكر» محترفيها على الصمت وتماسك الأعصاب وكبت الانفعالات واخفاء المشاعر والظهور بملامح محايدة وجامدة. وكأنها عملية قتل باردة. بينما تحرض لعبة «الطاولة» عشاقها على الصخب والصوت المرتفع والسخرية الحادة وتهديد الخصم بهزيمة ساحقة لا تقوم له بعدها قائمة. وكأنها عملية ضجيج بلا طحين. لكن يبدو أن الرئيس الأميركي جورج بوش يدير عملية «ضرب العراق» كمن يلعب «البوكر» بصراخ ووعيد «الطاولة». فهو يرتب الأوراق. ويفكر في الرهان. ويحدد خسارة خصمه. ويرسم أدوار حلفائه. لكنه في الوقت نفسه لا يكف عن الثرثرة ودق طبول الحرب الكلامية. ولا مفر من أن تقوم الحرب. فحشد القوات وتحريك حاملات الطائرات وتسخين منطقة القتال وتكثيف الاتصالات لن ينتهي بتصوير فيلم سينمائي أو باقامة حفلة ترفيهية أو بافتتاح معرض لبيع الأسلحة الحديثة. ان القوات تخرج من قواعدها وثكناتها لتقاتل. والذخائر تخرج من مخازنها وصناديقها لتنفجر. وأقمار التجسس الساكنة في السماء فوق رؤوسنا ترصد وتصور كي تحدد الأهداف التي ستضربها الطائرة القابعة والمنتظرة اشارة الانطلاق. والقادة يرتدون ثياب الطوارئ ليدلوا بتصريحات تليفزيونية وصحفية. والسياسيون ينتظرون نهاية الشياط والدخان والهباب الأسود كي يفردوا خرائطهم الجديدة. ان القواعد الأميركية في المنطقة تضم نحو 60 ألف جندي اميركي يضاف اليهم 20 ألفا يسكنون حاملتا الطائرات «ابراهام لنكولن» و«جورج واشنطن» اللتان استقرتا بالقرب من المياه في غرب البحر المتوسط بعد أن أجرتا مناورات بالذخيرة الحية على سواحل كينيا. وشاركت في المناورة القوات الأميركية الخاصة المتمركزة في جيبوتي التي تضم أيضا مركزا تابعا للمخابرات الاميركية مخصصا لمتابعة حركة طائرات التجسس «بريداتور» التي تطير بلا طيار وهناك أيضا قاعدة دييجو جارسيا في المحيط الهندي وهي موقع تمركز طائرات الشبح. وهناك كذلك قاعدة انجرليك التركية التي ستلعب دورا حيويا في مراقبة وضرب شمال العراق. ولعل ذلك كله قد جعل التخمينات في واشنطن ومنذ شهور طوال لا تدور حول خوض الحرب وانما حول توقيتها. فالحرب ستقع. ستقع حتى لو أثبت المفتشون الدوليون ان غرفة نوم الرئيس صدام حسين لا تحتوي على أية أسلحة نووية. وأن دولاب ملابسه لا يحتوي على أية أسلحة كيميائية وأن أغطية فراشه لا تحتوي على أية أسلحة بيولوجية. وعندما قدم العراقيون تقريرا من 12 ألف ورقة عن أسلحتهم المتنوعة وصف التقرير بأنه «ثقيل الوزن خفيف القيمة». بل ان المعلومات التي تضمنها التقرير تحولت الى غرفة عمليات الحرب ووضعت على خريطة الأهداف العسكرية التي يمكن أن تضرب. فكأن العراق قد ساعد بنفسه على ضرب أماكن أسلحته. لكن يبقى السؤال الصعب: متى تكون الحرب؟ لقد ترك الأميركيون المسلمين يصومون شهر رمضان. وسمحوا لهم بتناول الكعك وشراء ثياب العيد الجديدة لأطفالهم. وفي المقابل سيتركون الكريسماس وأعياد الميلاد تمر في سلام ليسافر جورج بوش بعدها الى افريقيا في بداية العام الجديد ليبقى هناك أسبوعا. ولا يمكن أن تشتعل الحرب والرئيس الأميركي بعيدا عن غرفة عملياته في بدروم الجانب الغربي في البيت الأبيض. وعندما يعود تبدأ حسابات القمر والأرصاد الجوية. فطائرات الشبح تفضل العمل في الظلام. لكن. انزال مشاة البحرية يحتاج الى مد بحري عال. على انه يمكن التوفيق بينهما. فالحرب يمكن أن تبدأ والقمر في بطن الظلام وهو مايتيح لطائرات التجسس التجول بحرية. ثم تبدأ مرحلة القصف الجوي على طريقة ألعاب الفيديو. وهي مرحلة يمكن ان تستمر حتى يولد القمر في السماء محرضا المد على مزيد من النشاط. فتبدأ قوارب مشاة البحرية في التدفق على الشواطئ لتدعم القوات البرية المقبلة من ناحية الخليج. أما حجم هذه القوات فسيزيد على 100 ألف جندي عليهم الصمود نحو 3 أسابيع لتتحقق لهم السيطرة الكاملة على قلب العاصمة العراقية بغداد. ولو كان شهر يناير هو شهر الترتيبات النهائية فان شهر مارس هو شهر العواصف الرملية في العراق وهو أيضا شهر ترتفع فيه الحرارة والرطوبة هناك. ومن ثم فان شهر فبراير سيكون هو شهر الحرب. وهو التوقيت نفسه تقريبا الذي جرت فيه حرب الخليج الأولى. وهي الحرب التي خاضها الرجال أنفسهم ولكن مع تغيير في المواقع والمناصب. ان كولن باول وزير الخارجية الدمث كان رئيسا للأركان في ذلك الوقت. وكان يرفض ـ رغم تربعه على قمة المؤسسة العسكرية الاميركية ـ اللجوء الى خيار الحرب. وكان يرى ان كل براميل النفط في العالم لا تساوي اراقة دم جندي واحد في بلاده. ان الجنرال الذي شهد بنفسه أهوال الحرب في فيتنام لم يشأ أن تتكرر المأساة في الخليج. وهو ما جعل وزير الدفاع ـ نائب الرئيس الآن ـ ديك تشيني يتجاوزه ويخفي عنه تفاصيل وأسرار العمليات وساعة الصفر. وقد واصل ديك تشيني ـ المصاب بعطب في القلب يمكن ان يفقده حياته في أية لحظة ـ تشدده وتطرفه في معالجة الأزمة العراقية حتى في لحظات بدت فيها ضغوط الدبلوماسية قادرة على تجاوز سخونة السلاح. فعندما قبل العراق بعودة مفتشي الأمم المتحدة سارع ديك تشيني للتعليق على ذلك ـ في خطاب ألقاه أمام قدماء المحاربين ـ قائلا: ان فتح أبواب العراق المغلقة أمام المفتشين لن يجلب سوى «راحة كاذبة». فكان أن شعر كولن باول بأكثر من الضيق. وتساءل: هل يحاول الصقور القيام بخطوة سريعة يجبرون فيها الرئيس على حرب تقف فيها الولايات المتحدة دون مساندة من حلفائها؟ ولو كان جورج بوش الابن هو بطل الجزء الثاني من حرب الخليج فانه في الواقع ينفذ مشيئة جورج بوش الأب بطل الجزء الأول من تلك الحرب الناقصة ومن ثم فان عائلة بوش هي أهم العناصر المشتركة فيما يجري للمنطقة منذ نحو عقد من الزمان. وتمثل هذه العائلة بقوة جماعة مصالح النفط الأميركية وتعبر عن رغباتها وأهدافها بوضوح وصراحة. ولكن الأهم من هذه المصالح أن السيطرة الكاملة على نفط الشرق الأوسط سيضمن السيطرة الأميركية على معظم دول العالم المتفوقة على الولايات المتحدة اقتصاديا. مثل دول الاتحاد الأوروبي والصين واليابان. وهي دول تستورد ثلاثة أرباع بترولها من المنطقة وتعتمد عليه اعتمادا كبيرا في الحفاظ على معدلات نموها المرتفعة. فكأن السيطرة على نفط الشرق الأوسط هو في الحقيقة سيطرة على الاقتصادات الاكثر قوة في العالم. وكأن القوة العسكرية الاميركية الأكثر تفوقا قد نجحت في تغطية عورات القوة الاقتصادية الاميركية الأكثر ضعفا. والأقل شأنا. انها لعبة «البلياردو» التي تسجل النقاط والأهداف فيها بطريقة غير مباشرة. وقد انتهت حرب الخليج الأولى بالسيطرة على كل دول الخليج ماعدا العراق الذي جاء عليه الدور الآن. لكن المشكلة ان الحرب السابقة كان لها ما يبررها. تحرير الكويت. وهو المبرر الذي فتح به صدام حسين أبواب جهنم لتحترق بلهيبها المنطقة كلها. وحمس هذا المبرر معظم الدول العربية للدخول في التحالف الدولي الذي أدار تلك الحرب بكل ما ترتب عليها من خسائر مالية بمئات المليارات وانتهت فاتورة العمليات بنهاية دول الفائض البترولية واستدانتها ورهن احتياطها النفطي وهو لا يزال جنينا في باطن الأرض. والأخطر ان تلك الحرب جعلت وجود قوات أميركية في الخليج عملا طبيعيا بعد ان كان عملا مستحيلا. أما الحرب المقبلة على الأبواب ـ والتي تعلن تغيير النظام في العراق هدفا لها ـ فليس لها ما يبررها وليس لها ما يقنع الدول العربية التي شاركت في تحرير الكويت بأن تنضم اليها. وقد فشلت الولايات المتحدة في اثبات علاقة مصاهرة أو نسب بين العراق وتنظيم القاعدة. كما أنها لم تقدم دليلا دامغا على أن العراق يملك أسلحة الدمار الشامل. والأخطر ان الدول العربية وجدت أن تغيير نظام ـ مهما كانت عيوبه ومتاعبه ـ بالقوة هو مبدأ لا يجوز التهاون فيه. والأشد خطورة ان هذا النظام جزء من منطقة يسهل فكها وتركيبها دون مقاومة. وهو ما يعني ان كل الدول الحدودية مع العراق يمكن ان تصاب بجرح غائر أو سطحي من سكين التقسيم. ولو كانت الحروب هي دائما الميدان الوحيد الذي تتفاعل فيه القوى الاقليمية المتصارعة فان حرب الخليج المقبلة ستهبط بقوى الى القاع وستطفو بقوى اخرى الى السطح. ولعل القوة الاسرائيلية ستكون على رأس القوة الاقليمية التي ستدعم مكانتها بعد هذه الحرب. وهو ما يجعلها تصر على المشاركة فيها ولو بجهاز مخابراتها الشهير: الموساد. أو ببعض فرقها الخاصة التي سارعت بالتسلل الى غرب العراق لتركيب نظم الكترونية تمنع صواريخ سكود العراقية من اصابة مناطق اسرائيلية كما حدث فيما قبل. في الحرب السابقة. وتشارك اسرائيل في الحرب ايضا بتصدير الاقنعة الواقية من الغازات الى بعض الدول العربية. وبتخزين عتاد وذخيرة. ويمكن أن تجد نفسك طرفا في العمليات العسكرية. وهو مايضاعف من حرج الدول العربية. لكن الأهم ان اسرائيل تعرف ان الذين يجلسون على مائدة ما بعد الحرب لتوزيع غنائم الحرب يجب ان يشاركوا في الحرب. ولو كان أسامة بن لادن هو ضيف الشرف في حرب الخليج الجديدة فان البطولة النسائية لنجمة سمراء تتمتع بساقين تلفتان النظر على حد وصف رئيس وزراء اسرائيل ارييل شارون لها بعد أول لقاء معها. ان كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي هي الوجه الجديد الذي يشق طريقه الى القمة. وهي مرشدة ومعلمة ومربية الاسلحة الى العراق لتجريده من اسلحته قبل ارسال القوات المسلحة للقيام بمهامها الواضحة للعيان. وقد اجتمعت مع كبير المفتشين هانز بليكس «وهو شخص مريض بلذة تعذيب الذات» وحثته على نقل مسئولين عراقيين وعائلاتهم الى أماكن آمنة حتى يستطيعوا ان يكشفوا كل ماعندهم عن برامج التسلية العراقية. وعلى الفور قدمت الأمم المتحدة طلبا الى السلطات العراقية لتقديم قائمة باسماء كل الاشخاص الذين لهم علاقة بهذه البرامج. ان صمت رايس وحزمها واداراتها للأزمة بعيدا عن بريق الأضواء جعل كل الذين يتعاملون معها يصفونها بالأميرة المحاربة. فهي فخورة بأناقتها وشديدة الاهتمام بمظهرها الى حد الاحتفاظ بمرآتين في مكتبها كي ترى نفسها من الامام والخلف. وهي ايضا تملك قدرة هائلة على ضبط النفس وتتمتع بثقة الرئيس جورج بوش وتتكلم باسمه وتملك موهبة فائقة على اخراجه من المطبات المحرجة التي يسهل ان يوقع نفسه فيها. وهي تملك خبرة قديمة في ذلك. فقد تعرضت بسبب لونها الى مثل مطبات عنصرية أشد حرجا. لكن لونها كان في الوقت نفسه دافعا لتمييزها ونقلها من طبقة اجتماعية متوسطة الى طبقة سياسية عالية. لقد ولدت في شرنقة سوداء وسط محيط أبيض من التعصب في مدينة بيرمنغهام بولاية الاباما. وكان عليها ان تجتهد ضعف اجتهاد زملائها البيض. وأن لا تنظر الى نفسها على أنها ضحية. وان تتفوق في الدراسة وفي العزف على البيانو الذي تجيده. وقد وجدت في اسمها مايشعرها بالزهو. فكوندوليزا اصطلاح موسيقي ايطالي معناه «العزف الحلو» على حد تفسير نيوزويك الأميركية. وقد أطلق اسمها على ناقلة نفط تتبع شركة شيفرون. ولكن ولعها الحقيقي الذي لا تقاومه هو شراء الأحذية. انها تشتري ثمانية أزواج من أحذية فيراجاموس الغالية في جولة تسوق واحدة. على أنها في الوقت نفسه تقرأ الروايات الغامضة وتفضل أعمال فيودور ديستوفيسكي بكل مافيها من متعة أدبية ومتاعب نفسية. ولم تقدر صحافة الاثارة على التقاط خيط شخصي واحد في حياتها يكشف عن حياتها العاطفية. والصورة التي تفضل نشرها. صورتها وهي تحمل الأثقال. والخبر الذي تروج له. هو انها تطمح الى رئاسة اتحاد كرة القدم. وربما كان ذلك بسبب تربيتها المحافظة. فهي ابنة رجل دين متشدد وتنتمي للكنيسة نفسها التي ينتمي اليها جورج بوش. ان هذه المرأة الرشيقة التي تحدت قدرها وبيئتها وتاريخها الشخصي كانت أول امرأة سوداء تعين في منصب مدير جامعة «جامعة ستانفورد» ولكن ايمانها بالقوة جعلها تقلص عدد النساء في الجامعة قائلة لكل من سخروا منها واتهموها بالخيانة: «لا يمكنكم أن تضعوا اللوم علي فأنا سوداء طوال حياتي». وما أن وجدت بوش يرشح نفسه للرئاسة حتى سارعت بالارتباط به. واختيرت لتدريبه. وواصلت التدريب بعد أن دخل البيت الأبيض. وأغلب الظن أن قوتها عوضته عن ابتعاد أمه بربارة بوش ـ وكانت الشخص الوحيد القوي الذي لا يرد له كلمة ـ عنه. ولو كانت رايس تسيطر على بوش ولو كان بوش هو رئيس أقوى دولة في العالم فان رايس هي على الأقل أقوى امرأة في العالم الآن. وقد نجحت في اقناع بوش بعدم التعامل مع ياسر عرفات والبحث عن قيادة فلسطينية بديلة. ونجحت في اقناع اجهزة الاعلام الاميركية بعدم تكرار بث رسائل أسامة بن لادن التي انفردت بها قناة الجزيرة. ونجحت في اقناع قيادات الكونغرس بقبول وزارة الأمن الداخلي الجديدة بعد نحو عام من هجمات سبتمبر. ونجحت في اقناع صقور البنتاغون بمنح مفتشي الأمم المتحدة فرصة أخرى في العراق. ولكنها لن تقدر على اثنائهم عن قرار ضرب العراق. ان البطل الحقيقي والخفي وراء هذا القرار ليس دونالد رامسفيلد وزير الدفاع وانما نائبه وولف وويتز. وهو أخطر صقور البنتاغون. وقد تخرج في جامعة هارفارد. وتخصص في الرياضة البحتة. وتحمس لبرنامج حرب النجوم الذي تبناه الرئيس الأسبق رونالد ريجان. لكن. حماسه الأشد كان لقضية عمره. ضرب العراق. وقد قدم الى قيادته أول مذكرة بهذا الطلب في عام 1977. وظل يلح على ذلك حتى جاءت له أحداث سبتمبر لتحقق له أمنية حياته. والمعروف انه يهودي متدين يعتبر اسرائيل هي وطنه الروحي الذي على الولايات المتحدة حمايته ورعايته ليباركها الرب. وقد آمنت الولايات المتحدة بذلك. وهي تسعى بكل قوتها العسكرية لفرض هذا الايمان علينا. ـ كاتب مصري