السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 هل هناك ثمة خطورة من التربية على المبادئ في ظل واقع سلبي يرخي بظلاله على الحياة من حولنا؟ وهل تنتهي مهمة الابوين بمجرد اعتماد بعض قواعد التربية الاسلامية داخل المنزل؟ وهل يكفي التزام الابناء بأداء العبادات الشرعية لتتحقق لهم الحصانة النفسية، وتتوفر لهم القدرة على التكيف مع المجتمع رغم وجود التحديات والاستفزازات والتعارض الشديد بين المفاهيم التي تعلموها في بيوتهم وبين الحياة خارج ذلك الحضن الدافيء حيث يغيب الابوان، ولا يبقى في الذهن إلا تلك المفاهيم التي تشربوها في سنوات الطفولة ليواجهوا بها انماطاً من السلوك الذي يصطدم ـ في كثير من الاحيان ـ مع المثاليات والافكار الخلاقة؟!! ان هذه الاسئلة وغيرها باتت جديرة بالطرح والتناول على جمهور الآباء والامهات، وحري بهذا الجمهور المتميز ان يدعى للحوار والبحث حول الطرق العملية القادرة على دمج الابناء والبنات مع المجتمع الخارجي دون حدوث اضرار معنوية او ردود افعال سلبية تعيق انطلاقة الناشيء وتضعف من قدرته على التواصل مع المجتمع المحيط به، خاصة وان الواقع يؤكد ان عدداً من الشباب من الجنسين حينما وصلوا الى المرحلة الجامعية، ورأوا ذلك الخليط البشري المتنوع الثقافات والقادم من بيئات غاية في الاختلاف والتباين اصيبوا بالاحباط، وشعروا بخيبة الامل، ولربما جر هذا الشعور السلبي معه احساساً «بالغربة النفسية» والرغبة في الانطواء والعزلة طالما ان هناك تباينا شديداً بين المثاليات التي تربوا عليها في المنزل، وبين الواقع الجامعي المليء بالصخب والضجيج وبأشياء اخرى مختلفة لم يألفوها من قبل!! والحق ان مثل هذه الصدمة النفسية كان ينبغي ان يحسب لها الآباء الف حساب طالما ان هناك تناقضا في سلوك شرائح من طلاب وطالبات الجامعة مع ما تلقاه ابناؤهم في الاسرة من مثاليات لا يرحب بها الواقع في كثير من الحالات. والصحيح ان بعض اولياء الامور يخيل اليهم ان كثرة الحديث حول جدارة القيم والمبادئ بالعمل والتطبيق، وقدرتها على احداث التغيير الايجابي في حياة الناس تكفي وحدها لتنير الطريق لابنائهم، دون وجود برنامج تدريبي طويل النفس يحمي تلك القواعد التربوية من السقوط امام التحديات. والخلل واضح في التربية التي تعتمد على التلقين والوعظ المجرد دون ان تصاحبها مشاركة فعلية لحياة الابناء الاجتماعية، ومن دون الاستماع اليومي المكثف للتجارب الحياتية التي يمرون بها منذ الصغر حيث البيئة المدرسية والسلوكيات المختلفة التي يرصدها الصغار ويقفون امامها في حيرة شديدة لا يملكون معها القدرة على النجاح في اجتياز تلك التجربة الاجتماعية دون رعاية ابوية سليمة، ومشاركة نفسية وذهنية مع تلك الحياة التعليمية التي يشوبها الكثير من الافعال والاقوال الصادرة من البيئة الاجتماعية التي تستوعبها المدرسة كمبنى، ولربما ضاق بالمعلمين استيعاب النماذج القادمة من تلك البيئات بشكل يتناسب مع الشرخ التربوي الذي يعاني منه العديد من الطلاب والطالبات!! وانه لمن الصعوبة بمكان ان يقدم أولياء الامور في هذا العصر المفتوح على العالم «كاتالوجا» من التعاليم النظرية ثم يرفعوا ايديهم عن جيل مازال في طور النمو والتعلم والتجربة والاكتشاف!! ولربما كان اكبر فجوة من فجوات العمل التربوي في عالمنا الاسلامي الاعتماد الشديد على اسلوب التلقين والامر والنهي دون توفر آلية عمل مرنة تخدم هذا الناشيء، وتسهل له الرجوع الى ابويه لأخذ المزيد من المشورة والخبرة، وللوقوف على طرق استيعاب الواقع المتناقض والتأقلم معه، بل والدخول في اجوائه بمعنويات مرتفعة، ورغبة شديدة في التعلم من الحياة والاستفادة من دروسها العملية. وليس من الصواب ان يخاصم الانسان الواقع ليحافظ على رصيده الاخلاقي بل العكس هو الصحيح، اذ كلما اندمج الانسان مع واقعه ازداد قدرة على الافادة والاستفادة طالما ان هناك من احسن تربيته ومشاركته في مشاعره وأفكاره.