السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 زار الدولة مؤخراً مثقف عربي كبير مقيم في باريس منذ ربع قرن، ووقف سعيداً أمام تطور الحياة بتفاصيلها في هذه البقعة الجغرافية واختار مصادقة الأماكن الشعبية والتصالح مع تراثها الانساني الذي تختفي معالمه كلّما تقدمت التقنيات ودارت عجلة العمران المتسارعة. كان مصراً على ارتياد المطاعم والمقاهي والأسواق الشعبية، ووجد في دبي ما لم يجده في باريس من تنوع وتعدد ثقافي وتمازج وانصهار، ووجد في مقاعد الخشب وأسواق الخضار ما يذكّره بروح الأماكن العابقة بالأصالة، حيث بسطاء يعرضون كل أنواع الأطعمة بثمن زهيد (قياساً بفرنسا ذات الأسعار الملتهبة) وأثنى كثيراً على هذا العالم المتعدد المتنوّع الى تلك الدرجة التي ضاقت بها حقائبه من السلع التي حملها معه إلى باريس، وجميعها تستحق مغامرة زيادة الوزن، وكانت دهشته الأشد في مقهى شعبي بمنطقة الحمرية عندما تقاضى النادل الآسيوي درهماً واحداً ثمناً لكوبين من الشاي، ولم يجد الرجل تفسيراً يعادل هذا الدرهم في العملات الأوروبية فوضعه في خانة الكرم الجغرافي، حيث توجد مناطق حاتمية لا تفسير لها سوى... هكذا هي الحياة في بعض الأماكن. قلت للزائر: كيف وجدت دبي؟ قال: انها مدينة الحلم التي تستحق ان يعيشها المرء، وراح يعدد مصادر سعادته، وطيف من العذوبة اللامعة يُغلّف اعترافه بجمال الحياة هنا، معرجاً على مواطن الفتنة التي يراها الزائر في مدينة تصل نهارها بليلها سهراً، وشرقها بغربها تجارة، وأركان المعمورة ببعضها البعض تبادلاً وحضوراً. لكنه همس بخجل إن الحياة هنا سريعة جداً.. وضحك، قلت: هكذا هي طبيعة المدن الحديثة التي تتسارع فيها عجلة الزمن، ضحك ثانية وأضاف: أقصد عجلة السيارات! عندها أدركت فحوى ملاحظته، فقد أشار الرجل الى الطريقة التي يقود الناس بها السيارات بسرعة كبيرة على جميع الطرقات. ولم ينس ان يشير الى تجاوزات شاهدها على ممرات المشاة ومساقات السرعات على الحارات رغم وجود الرادارات والمطبات، وسألني عن سبب تلك السرعة! لم أجد جواباً آنذاك، أو لم أقل الحقيقة حتى لا أفسد جمالية الحب التي حملها في قلبه حينما غادر أمس، لكنني أعترف أن هؤلاء الذين يقودون بسرعة لا يمكن تصنيفهم بصناع حضارات، إنهم مستهلكون فقط ولا يعرفون من مفرداتها سوى الطيش والجنون، لذلك تراهم يطيرون على المطبات خبطاً وضجيجاً، وتراهم يلهبون السيارات التي أمامهم بالأضواء الباهرة إذا لم يفسحوا لهم الطريق، وتراهم يطلقون الأبواق عند اشارات المرور للقفز الى التقاطع المقابل، ولا يقيمون وزناً لأرواح البشر عند ممرات المشاة، ولا يتوانون عن التجاوز في المناطق الممنوعة.. وتراهم... وتراهم... هؤلاء ليسوا معنيين بصياغة الذائقة الحضارية لمدينة ناهضة، بل يخرّبون الجمال بسلوكيات استعراضية جوفاء، ويكسرون قواعد النظام بخروقات رعناء وجُل غايتهم ترويع الآخرين المسالمين وتقليد المطاردات السينمائية دون التفرقة بين الواقع والخيال، حيث ان الواقع حياة هادئة مليئة بالذوق، والخيال فيلم «اكشن» على الطريقة الأميركية. غادر الزائر مشفوعاً بحب المكان، ولكنني كنت آسفاً لملاحظته اللبقة حول السرعة، وإذا كنت لم أجهر له اعترافاً بأسباب السرعة، فإني أجد عزاء في نونية الرندي «لكل شيء إذا ما تم نقصان». والعزاء الأكبر في طيب العيش الذي يغري الزائر ليبحث في دبي عن لبن العصفور!