السبت 17 شوال 1423 هـ الموافق 21 ديسمبر 2002 قيل: من أعطى البعض وأمسك البعض فهو صاحب سخاء، ومن بذل الأكثر فهو صاحب جود، ومن آثر غيره بالحاضر، وبقي هو في مقاساة الضرر فهو صاحب ايثار. وأصل السخاء هو السماحة، وقد يكون المعطي بخيلاً إذا صعب عليه البذل، والممسك سخياً إذا كان لا يستصعب العطاء. من الايثار، ما حكي عن حذيفة العدوي، انه قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عم لي في القتلى، ومعي شيء من الماء، وأنا أقول: ان كان به رمق سقيته، فإذا أنا به بين القتلى، فقلت له: أسقيك؟ فأشار اليّ، أن نعم، فإذا برجل يقول: آه، فأشار اليّ ابن عمّي: أن انطلق اليه واسقه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فأشار اليّ أن نعم، فسمع آخر يقول: آه، فأشار اليّ: أن انطلق اليه، فجئته، فإذا هو قد مات، فرجعت الى هشام، فإذا هو قد مات، فرجعت الى ابن عمّي فإذا هو قد مات. ومن عجائب ما ذكر في الايثار، ما حكاه أبو محمد الازدي، قال: لما احترق المسجد بمصر، ظن المسلمون ان النصارى حرقوه، فأحرقوا خاناتهم، فقبض السلطان على جماعة من الذين أحرقوا الخانات، وكتب رقاعاً فيها القطع والجلد والقتل، ونثر عليهم، فمن وقع عليه رقعة فعل به ما فيها. فوقعت رقعة فيها القتل بيد رجل، فقال: والله ما كنت أبالي لولا أم لي. وكان بجنبه بعض الفتيان، فقال له: في رقعتي الجلد وليس لي أم، فخذ أنت رقعتي واعطني رقعتك! ففعل، فقتل ذلك الفتى وتخلص هذا الرجل. وقيل لقيس بن سعد: هل رأيت قط أسخى منك؟ قال: نعم، نزلنا بالبادية على امرأة، فجاء زوجها، فقالت له: إنه نزل بنا ضيفان. فجاءنا بناقة فنحرها، وقال: شأنكم، فلمّا كان من الغد جاء بأخرى فنحرها، وقال: شأنكم، فقلنا: ما أكلنا من التي نحرت البارحة إلا القليل، فقال: إني لا أطعم ضيفاني البائت، فبقينا عنده أياماً، والسماء تمطر، وهو يفعل كذلك، فلمّا أردنا الرحيل وضعنا مئة دينار في بيته، وقلنا للمرأة: اعتذري لنا اليه، ومضينا، فلما ارتفع النهار إذا برجل يصيح خلفنا: قفوا أيها الركب اللئام، أعطيتمونا ثمن قِرانا؟ ثم انه لحقنا، وقال: خذوها وإلا طعنتكم برمحي هذا، فأخذناها وانصرفنا. وقال بعض الحكماء: أصل المحاسن كلها الكرم، وأصل الكرم نزاهة النفس عن الحرام، وسخاؤها بما تملك على الخاص والعام، وجميع خصال الخير من فروعه.