الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 تخيل ان تدخل مدينة غريبة ولا تعرف كيف تسير فيها، تخيل انك تدخلها في الظلام، وعليك ان تبحث فيها عن رجل يعرفك أو مكان يضمك، وأنت لا تعرف فيها أحدا.. لا تعرف حتى تنطق اسمها! تخيل هذه المدينة التي تزورها قطعة جرداء من ارض قاحلة يابسة يلتهم اطرافها البحر، ويغرقها هذا البحر عندما يتمدد وعندما يغضب، لا يجد فيها ما يصد شدته خاصة في ليالي الشتاء، وعندما تنفض امواجه رياح المواسم التي تأتي متى تشتهي. مدينة تنام مع رحيل الشمس، لا يسطع فيها غير نور القمر، لا تعرف الكهرباء وتشرب ماء لا يشرب من شدة ملوحته. لا يقترب منها الغريب إلا غريباً أو محتاجاً أو حالماً، ذلك الغريب اذا جاء من بعيد، لا يظن انه سيخرج منها، فالطائرة التي حلت به غاصت في الرمال أو هربت ولا أمل ان تعود سوى في مناسبة أو مصادفة، ولا يعلم احد في المدينة متى سيكون هذا الموعد. مدينة هذا حالها، كيف يغامر الانسان ويدخلها، كيف يعيش فيها، يتعودها، ويعشقها، كيف تكون عنده أغلى من الروح؟! هذه المدينة هي أبوظبي، وهذا الذي جاء غريباً، خائفا منها، مغامراً فيها، حالما لها هو فالح حنظل. يكتب هذا الأديب المؤرخ حلقات في مجلة «المرأة اليوم» تتناول سيرة حياته اختار منها اطول واهم مفصل فيها وهو الذي يبدأ مع أبوظبي. كيف جاء إليها وكيف كانت؟ يصف في «أوراق أيامي» كيف كانت الرحلة شاقة من لبنان إلى أبوظبي، وكيف دخل المطار الذي لم يكن سوى غرفتين متواضعتين، في الأولى يقف ضابط الجوازات وفي الأخرى الموظف الصحي الذي يدقق على الشهادة الصحية. يتذكر عندما حملته سيارة الاجرة ودخلت به المدينة، ودون ان يتكلم، خمن السائق انه يبحث عن سكن، فأخذه نحو الفندق الوحيد في المدينة، فندق العين، كان ذلك في العام 1968. اعتذر له موظف الاستقبال، انه لا توجد غرفة خالية وعليه الانتظار. في هذا الليل اين سيذهب وكم عليه ان ينتظر؟ اجابه: ليس اقل من شهر، عليه ان ينتظر شهراً من الزمن، كي يجد غرفة يسكنها! انقذه مدير الفندق من هذا الظرف المحرج، ومن هذه الليلة البائسة وهذا الاستقبال المزعج. اقترح عليه حلاً: سعر الغرفة عشرون ديناراً، ولانها غير متوفرة، فانه يعرض عليه ان يؤجره كرسيا بهذا المبلغ. كرسي وحيد من غير ملحقات بعشرين ديناراً كاملة دون نقصان لليلة واحدة! وافق المضطر وجلس على هذا الكرسي الذي يبدو انه أغلى كرسي في العالم، ونام ليلته واقفاً! في الصباح غاص اكثر في المدينة، وصفوا له «منزل جميلة» وسط مدينة زايد أو «كمب ابيلا» في المنطقة الصناعية. عند جميلة لم يجد له مكاناً، اما في الكمب فحظه كان جيداً، اذ وجد غرفة شاركه فيها ثلاثة، فحصل على سرير ودولاب حديدي. ويتابع وصف هذه الرحلة المرة وقتها والشيقة اليوم عندما يتذكر تفاصيلها: ما ان حلت اشكالية السكن، الا وبدت معضلة اخرى، لقد جاء رمضان، وكيف سيصوم، كيف سيسمع اذان السحور من غير مسحراتي او منبه أو مكرفون واين سيفطر؟ ذهب في أول يوم للمسجد، وظن انه سيلقى بعد الصلاة تاكسياً يأخذه إلى أحد المطاعم. لكن سيارات الاجرة غابت كلها في ذلك الوقت، ولم يعرف الى اين يسير، مشى على وجهه حتى دخل احد «الفرجان» عل مطعماً يقف في اطرافه لكن ظنه خاب، ووجد بدل المطعم ابوابا مفتوحة من كل جانب، واصواتاً تنبعث من الداخل، وسمع من يناديه «اقرب». وعندما استقر قرب الجالسين حول مائدة الافطار، طلب منه صاحب البيت الذي يشاهده للمرة الاولى ولا يعرف من يكون، قال له: «سمي واهبش» وذاق انواعاً واشكالاً، وشاهد كرماً وعادات وطيبة عفوية عند هؤلاء القوم، فلم تكن الابواب وحدها مفتوحة انما القلوب كذلك. هؤلاء الذين اكل من طعامهم في اول رمضان له، صاحبهم بعد ذلك العمر كله وتعلم منهم وكتب عنهم، وكانوا له خير مرشد في دراساته واعماله البحثية. مع الايام وجد الدكتور فالح حنظل ان هناك عالماً غير الذي جاء ليعمل فيه. نعم وجد فرصة جيدة وعملت الشركة التي يمثلها في مجال استخراج البترول، وتحققت امام نبوءات الذين قالوا له: انها قاحلة اليوم لكن في باطنها السمن والعسل. لكنه وجد قلبه يشغله بقضايا اخرى، انه يأخذه نحو تاريخ هذه الارض وانسانها. وبدا له البحث والتأريخ والكتابة هاجساً وعشقاً. فقدم اوراقاً ثمينة ونادرة واعمالاً غير مسبوقة. انها احلامه وشبابه وكذلك جهده ومشاعره التي ولدها الحب والوفاء والايام الجميلة التي كانت له في كل بقعة من هذا الوطن. لقد اعطى فالح حنظل ذخائر غنية تمثلت في كتابه «المفصل في تاريخ الامارات» الذي يقع في جزءين يضمان اكثر من ثماني مئة صفحة و«معجم الالفاظ العامية في دولة الإمارات» واوراق اخرى كثيرة بحث فيها وكتبها واعمال تاريخية وأدبية قدم لها وشرحها. في «أوراق ايامي» التي ينشرها هذه الايام، خلاصة للتجربة وذكريات مختلفة، ومقارنات عن المدينة التي تحولت وتبدلت وولدت من جديد. عن الوطن الجميل كيف كان وكيف اصبح وكيف يكبر كل يوم. هذه المذكرات حصيلة غنية ومهمة ينبغي لاجيال اليوم ان يقرأوها مرات ليعلموا كيف وصل لهم هذا النعيم والرفاهية وهذه المكانة. يذكرون عظمة وادوار اولئك الرجال ـ حكامه واهله ـ الذين بنوا هذا الوطن، بنوه من العدم. رجال كبار في كل شيء لا يكررهم التاريخ دائماً.