الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 كأنه بيان صدر في كوكب زحل! فالوثيقة التي اختتم بها مؤتمر المعارضة العراقية في لندن وأطلق عليها «البيان السياسي» والتي ترسم صورة مفصلة لعراق «ما بعد صدام» تخلو من اي رؤية دولية أو اقليمية. فقادة المعارضة لا يقولون لنا كيف يتصورون دور «عراق الغد» تجاه القضايا والتحديات التي تواجه الأمة العربية والأمة الإسلامية. لقد أسهبوا في رسم الخطوط العريضة لثوابت السياسة الداخلية للعراق كما يرونها لكنهم لم يقولوا اي شيء عن ثوابت للسياسة الخارجية. هذا الاغفال الكبير ليس من قبيل السهو. إنه تجاهل عمد متفق عليه ضمنيا كما يبدو بين قادة الفصائل لأن الحديث عن علاقات العراق الخارجية ينطوي على حرج حتمي. لماذا؟ لأن التطرق إلى أي رؤية اقليمية أو دولية لابد ان يفضح خضوع قادة المعارضة للاجندة الأميركية سواء بشأن الشرق الأوسط أو بشأن العالم. فماذا عسى ان يقول المعارضون العراقيون عن قضية المصير الفلسطيني: هل يعلنون تضامنهم مع فصائل المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال ويعدون بدعمها بالمال والسلاح بينما تصنف واشنطن فصائل المقاومة جميعا كجماعات «إرهابية»؟ وهل يجترئون على ادانة اسرائيل وهي الشريك الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة راعية مؤتمر المعارضة العراقية علما بأن البند الأول على اجندة الغزو الأميركي للعراق هو أن يعترف نظام ما بعد صدام بالدولة اليهودية ويقيم معها علاقات دبلوماسية؟ ربما يعتذر قادة المعارضة العراقية بأن الاقتراب من مثل هذه القضايا سوف يأتي في حينه مستقبلا على اساس قاعدة «لكل حادث حديث» لكن الشعب العراقي لن يصدقهم. فالمقدمات تشي بالنهايات. ثم ماذا عن القضايا التي تتعلق بالشعب العراقي بصورة مباشرة؟ مثلا.. لماذا لم يصدر مؤتمر المعارضة قراراً بشجب «الحظر الجوي» ـ ذلك الابتداع الأميركي الشرير الذي لا يسنده اي من قرارات الشرعية الدولية بشأن العراق وينفذ بموجبه سلاح الطيران الأميركي هجمات عدوانية شبه يومية على الأرض العراقية تروح ضحيتها أرواح مدنيين عراقيين؟ إذ ما يمنع قادة المعارضة من اي قول او فعل يمكن ان يغضب واشنطن هو بالطبع اعتمادهم بالكامل على الولايات المتحدة في «تحرير» العراق من نظام الرئيس صدام. وهم في هذا السياق يروجون لاسطورة مفادها ان واشنطن سوف تنسحب من المشهد بعد انتزاع السلطة في بغداد وتسليمها الى فصائل المعارضة وتترك العراقيين لتدبير أمرهم بأنفسهم دون تدخل اميركي. إنها أسطورة تمزج بين الوهم والتفكير الرغائبي لدرجة أنها لا تصلح حتى كقصة تروى للأطفال السذج. ومن مفارقات البيان السياسي للمعارضة العراقية انه يتحدث عن اسلحة الدمار الشامل لكنه لا يتحدث اطلاقا عن نظام العقوبات المفروض على العراق. وفي هذا السياق تحديدا يبدو البيان وكأنه صادر رأسا عن البيت الأبيض الأميركي. فقادة المعارضة العراقية يتعهدون للعالم (أم لاميركا؟!) بأغلظ الأيمان بأن عراق ما بعد صدام لن يمتلك اطلاقا أسلحة دمار شامل. ان تجريد العراق من اسلحة الدمار الشامل وفي مقدمتها السلاح النووي مطلب اميركي بالدرجة الأولى ينبع من اعتبارات الحماية الأميركية لأمن اسرائيل. وهي اعتبارات بقدر ما تنطبق على حالة العراق تنطبق ايضا على ايران وأية دولة عربية او اسلامية أخرى. ففي مقدمة ثوابت السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط أن تظل اسرائيل، ليس فقط القوة الاقليمية المتفوقة عسكريا على كافة دول المنطقة مجتمعة، بل ايضا القوة الوحيدة التي تنفرد بامتلاك السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل الأخرى. لهذا قامت اسرائيل بتدمير المفاعل النووي العراقي في أواخر عقد السبعينيات. ان امتلاك عراق المستقبل اسلحة نووية ـ بصرف النظر عمن يحكمه ـ يجب ان يكون مصدر فخر للشعب العراقي والشعوب العربية والاسلامية جمعاء حتى لا تبقى مصائر هذه الشعوب رهينة مستديمة لدولة اليهود. ان حركة المعارضة العراقية بايجاز حركة تفتقر الى الشرف بأي معنى من المعاني الوطنية أو القومية أو الدينية.. وإلا فكيف ينعقد مؤتمرها وينفض دون ان يطالب القادة المعارضون برفع العقوبات المفروضة على وطنهم. ربما يقولون ان أخطاء النظام الحاكم هي التي جلبت هذه الكارثة الى شعبه. ولكن ماذا يجني الشعب العراقي من اجترار الماضي ورجاله ونساؤه يعانون المسغبة والجوع وأطفاله ينهشهم السرطان بأشكاله المختلفة؟