الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 على الرغم من ان عالمنا يرزح اليوم تحت وطأة معضلات عديدة لا حصر لها مثل الظلم والحروب والجريمة والفقر والمرض وارهاب الدول، فإن ما ينتظرنا خلال القرن الحالي يبدو أشد هولاً، واعظم خطرا وادهى مرارة، ومالم نشرع في رسم الخرائط التفصيلية الخاصة بالتطورات القادمة المتوقعة، فإننا سنجد انفسنا فجاءة محشورين ضمن شرانق ضيقة لا يسهل علينا الافلات منها. وحتى نتمكن من اعداد مثل هذه الخرائط، لابد لنا من الرجوع الى الكتب العلمية الموثوقة التي تحاول كشف خبايا المستقبل وبواطنه وقد اخترت هنا كتاب: PREPARING FOR THE TWENTY- FIRST CENTURY اي «الاستعداد للقرن الحادي والعشرين» الذي يرى مؤلفه، الخبير البريطاني، بول كينيدي، ان من أهم ما سيواجه البشرية، خلال العقود المقبلة يتمثل، بالاستهلاك المفرط للغذاء، من قبل ابناء الدول الغنية، وبالسيل القادم من مليارات الافواه الجديدة التي تطلب مزيداً من الغذاء في الدول الفقيرة، وبصورة عامة وكما هو معروف فإن ارتفاع الانتاج العالمي من الغذاء لا يجاري مقدار التفجر السكاني. وقد اتخذ في الماضي العديد من الاجراءات لتغيير هذا الوضع، مثل تحسين كفاية الفلاحين الذي يتسبب جهلهم بكثير من الهدر، وكذلك توسيع رقعة الاراضي الزراعية في الدول الفقيرة من خلال الافادة من الاراضي الاحتياطية المهملة، كما في السودان واميركا اللاتينية، وتطوير التقانة الزراعية وتحسين نوعية الاسمدة، الا ان هذه جميعها طرق تقليدية غير كافية، ويرى كينيدي ان الحل الحاسم يكمن في التوجه نحو التكنولوجيا الحيوية، اي التقانة التي تستخدم العضويات او العمليات الحية من اجل صنع المنتجات، او تحسين اجناس النباتات او الحيوانات، او تطوير العضويات الدقيقة، لصالح استعمالات محددة. وقد انبثقت هذه التقانة عن التقدم الدراماتيكي الذي حققه العلم في مجال فهم الشفرة الوراثية، ومن المعلوم ان للمورثات JENES وجودا في جميع عمليات الحياة، وهي تسهم في توريث خصائص معينة، مثل استعداد النباتات للتأثر بالحشرات، واستعداد الانسان للاصابة بالسمنة، وما اشبه ذلك من سمات وراثية. ومما يدعو للتفاؤل ان المهندسين الوراثيين، اصبحوا قادرين اليوم على استخدام مادة الـ DNA لزيادة قوة العضوية او حجمها او مقاومتها ويصف الكتاب هذا التطور بالثورة الوراثية. ان تطبيقات التكنولوجيا الحيوية، الزراعية والطبية، واسعة جدا ويتوقع ان تسفر عن تخفيف، او ربما ازالة الهوة، بين تكاثر السكان وانتاج الغذاء، ويتعرض المؤلف ايضا للثورة الصناعية الجديدة ودور الاتمتة والروبوت في الصناعة مشيرا إلى ان الروبوت الذكي يؤدي اعمالا عديدة لايقوم بها الحاسوب، ولاسيما الاعمال الخطرة بالنسبة للانسان، مثل التعدين ومكافحة النيران والتعامل مع الملوثات، والنشاطات تحت المائية، والسفر في الفضاء الخارجي البعيد، وتعد اليابان اليوم، القائد في عالم الروبوتات. مخاطر وتحديات ويخصص الكتاب فصلا طويلا للموضوع البيئي، مبينا ان هناك اليوم مئات الطائرات والسفن وملايين السيارات تنفث سمومها باستمرار في الجو، ناهيك عن الهجوم الكاسح على الغابات بسبب الحاجة الى وقود الحطب مع الاشارة بشكل خاص الى اختفاء الغابات الاستوائية ولاسيما في اميركا اللاتينية، ولا ينسى المؤلف بالطبع المشكلات المتعلقة بالامطار الحمضية والدفيئات الغازية، وبنقص الامدادات المائية. وهو يرى ان اهم ما في المشكلة البيئية، ان ما يحدث في جزء من البيئة الارضية، يؤثر في الجزء الاخر، بشكل تلقائي، ومعنى هذا ان لكل ما يفعله اهل الشمال في المجال الايكولوجي، صداه وانعكاساته في الجنوب، وبالعكس وهذا احد الاسباب الاساسية لاهتمام الدول المتطورة بما يجري في بلدان العالم الثالث. ومن التحديات المستقبلية الجدية التي يلفت بول كينيدي الانظار اليها دور التكنولوجيا الحديثة في تحويل الوظائف التقليدية الى وظائف فائضة لا حاجة لها، واستبدال مهامها بنظم جديدة للانتاج وهذه النظم، بحد ذاتها، جيدة، وقد ادت الى تحقيق الرفاه للمجتمع البشري، وانتقلت به من انتاج النسيج بالطاقة البخارية، مثلا الى انتاج السيارات بالكمبيوتر ولكنها تنطوي على اخطار بالنسبة الى الزراعة التقليدية، مثل الحاق الكساد في الكثير من نظمها كما ان ثورة الروبوت افضت وستفضي الى تغيير طرق الصناعة وبنية التوظيف الصناعي، وهذا امر له عواقبه، لان تغير اساليب الزراعة والصناعة سيحدث في وقت يزداد فيه التفجر السكاني، مما سيترك مئات ملايين الناس في حالة بحث عن العمل، وكذلك فإن الصناعة المؤتمتة والزراعة التكنولوجية ستجعلان معظم الوظائف التقليدية في الزراعة والصناعة فائضة عن الحاجة، وبسبب هذا الواقع، فإن المؤسسات متعددة الجنسية، سوف تجرد نفسها من جذورها المحلية، وتتنافس من اجل الحصول على حصص في السوق العالمية، وموظفة كل طريقة ممكنة، مثل ادخال الاتمتة وتبني التقانات الجديدة وتبديل طرق ومواقع الانتاج، من اجل تحقيق هذا الهدف، ولاشك ان عدم الحصول على وظائف، سيؤدي الى الفقر وعدم الاستقرار الاجتماعي والتصادمات التجارية، ومن المتوقع ان ترفض المجتمعات في الدول المتطورة والنامية معطيات السوق الجديدة وتتمرد عليها اذا كانت تتعارض مع مصالحها. ومع ازدياد الهوة بين الدول الغنية والفقيرة، ستزداد الهجرة، مستقبلا وسيزداد التحامل والسخط ضد المهاجرين الجدد. وستكون هناك، ايضا ازمات تتعلق بالعملة كسحب الاموال، مما سيقود الى عدم الاستقرار المالي. ويشير المؤلف الى تأثير التلفاز الذي كان حكرا في الماضي على الاغنياء، فأصبح الان مشاعا بين جميع الطبقات ومختلف الناس، وكان من المتوقع ان يسفر التلفاز عن دعم سلطة الحكومات، ولكنه اصبح الان يفعل العكس لان استطاع ان يكسر احتكار المعلومات، مما سمح للشعوب ان ترى كيف يعمل الاخرون، وكيف يعيشون خلافا لما يحدث عندهم. وفي ضوء التغييرات القادمة المتوقعة، يتساءل المؤلف عن مدى استعداد الشعوب لملاقاة القرن الحادي والعشرين؟ ويجيب عن ذلك، بأن هناك اليوم، مليارات الافراد الفقراء غير المتعلمين في العالم النامي، وعشرات ملايين العمال غير المهرة وغير الممتهنين، في العالم المتطور، يستقبلون القرن المقبل، وهم في أسوأ حال. وفي مقابل ذلك، هناك شركات وأفراد يستغلون الوضع الراهن ويستعدون لتوسيع فائدتهم منه مستقبلاً. ويبين الكتاب ان هناك الآن معاهد خاصة بالبحث وبدراسات المستقبل تقوم بدراسة أوضاع الرابحين والخاسرين في القرن المقبل. وتبين هذه الدراسات مبدئيا، أنه حتى الرابحين لن يسلموا من عواقب العقود القادمة، ولاسيما ان توسع الهوة بين الاغنياء والفقراء، لابد ان يقود إلى العنف، وإلى توترات جديدة. بين الشمال والجنوب، وكذلك الى تكثيف الهجرة الى الاقطار الغنية. ويعتقد المؤلف ان المجتمعات التي تملك موارد ثقافية وفنية وتربوية وأموالاً أكبر، هي المؤهلة أكثر من غيرها لملاقاة القرن المقبل. وهو يرى ان هناك صعوبتين اساسيتين تقفان في سبيل التمهيد لمستقبل أفضل وهما: حتمية استمرار الاتجاهات الديموغرافية والبيئة الحالية، فكل عقد جديد يحمل معه مليار فهم جديد تقريباً. ومع تكاثر السكان وانتعاش التصنيع، سيزداد انتشار ثاني أكسيد الكربون. ومهما فعلنا لتغيير هذا الوضع، فإن هذا لن يؤثر إلا بدرجة محدودة. الصعوبة الأولى إذن هي عدم القدرة على تغيير الاتجاهات الحالية، بشكل أساسي. أما الصعوبة الثانية. فتتعلق بمشكلة التوقيت: فحتى نستطيع ان نخفف من وطأة التسربات الاشعاعية الملوثة وسخونة الجو وتأثير البيوتات الزجاجية (الدفيئات الغازية)، بعد 25 و 40 سنة، يتوجب علينا ان نعمل منذ الآن، فمن هو المستعد لاتخاذ مثل هذه القرارات بعيدة المدى؟ حتمية المواجهة إن الإنسان عادة لا يميل إلى التضحية الآنية في سبيل الحصول على فوائد بعيدة الأمد وغير مؤكدة، إلا عندما يتعلق الأمر بالادخار لسن الشيخوخة او للعجز. ويتضح هذا الوضع أكثر، عندما يتعلق الأمر بالقرارات السياسية، فهي لا تحتمل التخطيط لعقود مقبلة من الزمن، واهتمامها الرئيسي ينصب على مواجهة تهديدات الامن القومي والاقتصادي أكثر من الاخطار البيئية غير الواضحة، والتي لا تتطلب استجابة فورية حازمة. ومن هنا، يرى الكتاب أن الحل العملي الوحيد لمكافحة التدهور البيئي، يتمثل بتبني فكرة التعاون الدولي الجماعي بدلا من بذل الجهود الافرادية المبعثرة. ويعتقد بول كينيدي ان الاستعداد للقرن المقبل، يقتضي الاهتمام المؤكد بدور التعليم. ويتضمن دور التعليم اشياء كثيرة، لا حصر لها فنظراً لأن التجديد التكنولوجي يخلق وظائف جديدة، ويقضي على وظائف قديمة، فإن الدول التي لا تملك نظاماً قومياً للتدريب وإعادة التدريب، ستجد نفسها في وضع سيء، ولن تعاني الانتاجية الاقتصادية، وحدها، من جراء ذلك، وإنما ايضا البنية الاجتماعية، والمشكلة ان التعليم والتدريب في كثير من الدول النامية يعدان أقل اهمية من القطاعات الأخرى، على عكس الحال في الدول المتقدمة التي تولي هذين الحقلين. جل عنايتها. والتعليم، هنا، لا يعني مجرد تأهيل القوى العاملة أو حتى تشجيع التقانة الصناعية في المدارس والكليات، وانما يتضمن، ايضا، فهما لكيفية تغير العالم، ونظاماً يمدنا بالقيم الاخلاقية والرؤية الإنسانية الثاقبة. ومن جهة اخرى، يبين المؤلف الحاجة الى صنف جديد من الزعماء السياسيين ذوي النزعة الإنسانية العالمية، ومن اصحاب النفس الطويل، والذين يهتمون بالتخطيط للمستقبل البعيد بدلا من حصر عنايتهم بالمشكلات الآنية. لا ينسى المؤلف ضرورة إبادة جميع انواع اسلحة الدمار الشامل، من نووية وكيميائية وبيولوجية، بالاضافة الى القذائف بعيدة المدى، «وهذا الرأي يوجب على العرب ان يؤكدوا في جميع المناسبات ان اجراءات القضاء على اسلحة الدمار الشامل يجب ان تشمل جميع الدول، بما فيها اسرائيل بالذات». ويختتم كيني كتابه بالدعوة إلى العمل على تغيير العادات الاجتماعية البالية وأنظمة التكافل والتأمينات الفاشلة، وإلى الحد من الهدر في مختلف وسائل الانتاج والاستهلاك، وفي جميع مرافق الحياة. وهكذا نجد، ان الاستعداد لمواجهة مشكلات المستقبل يقتضي التنقيب في متاهات واسعة والغوص في سراديب عميقة لا نهاية لها، فليستعد العالم منذ الآن، لدرء الاخطار القادمة والتهديدات المحتملة، على قاعدة «الوقاية خير من العلاج». ـ كاتب سوري