الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 لا تزال الدول التي تدعي الديمقراطية في الغرب تحاول أن تكون لديها ديمقراطيتان، واحدة لها هي بهدف خدمة مصالح شعوبها، وأخرى لخدمة مصالح الطبقة الحاكمة فيها، ولكنها هذه المرة على حساب شعوب دول أخرى يبدو أنها في ذهن من يحكمون في الدول الديمقراطية الغربية لا تستحق الاستمتاع بما تستمتع به الشعوب التي تعيش في الديمقراطيات القديمة. لذلك فإن الديمقراطية أصبحت اليوم بالمقاس، مقاس تفصيل للدول «العريقة» في تلك الديمقراطية، بتاريخها الاستعماري المخجل قديما وحديثا، وأخرى للدول التي كانت تقع في دائرة نفوذها قديما، وتعتقد أنها يجب ان تبقى كذلك برغم الاستقلال، بشرط أن تكون تلك المقاييس مناسبة لخدمة مصالحها الخاصة وليست مصالح البلد الذي يطبق تلك الديمقراطية. في هذا المجال ليس هناك استثناء بين دول الغرب الديمقراطي بأكمله، الاتحاد الأوروبي بكامل أعضائه والولايات المتحدة الأميركية يتبادلان دعم كل منهما الآخر من اجل الحفاظ على السيطرة الاستعمارية القديمة، بغض النظر عن عدد الضحايا الذين يسقطون في سبيل تحقيق هذا الهدف، وهم بالطبع ضحايا الدول الأخرى، ثم يدعون انهم ديمقراطيون ويرغبون أن يحذو العالم حذوهم، ولكن هناك بشرط اخفي لا يتم الإعلان عنه، أن تكون تلك الديمقراطيات مختلفة لا تلبي حاجة شعب البلد الذي يتقبلها نظاما سياسيا بالدرجة الأولى، بل تكون نظامها الديمقراطي في خدمة دولة أخرى، وفي الوقت نفسه يعملون على تدمير أي بادرة ديمقراطية حقيقية تحاول أن تعوض الشعوب حديثة الاستقلال ولو بالقليل، بل وبعض الديمقراطيات القديمة يتخلى زعماؤها عن قناعتهم الأيدولوجية للمساهمة في تدمير أي ديمقراطية وليدة، لأنها في تطلعها إلى تحقيق الرخاء تمس مصالح الدول الاستعمارية القديمة. واقع مزيف أثبتت الأشهر الأخيرة أن الديمقراطيات الغربية لا تزال تعيش واقعا مزيفا لا علاقة له بالأسس الحقيقية التي تقوم عليها حياتهم السياسية، وربما كان الوضع المتفجر الذي تعيشه فنزويلا حاليا نموذجا يمكن من خلاله كشف الكثير من الأقنعة التي ترتديها الدول التي تدعي الديمقراطية وترفع شعاراتها كذبا وادعاء. ولو نظرنا إلى الوضع الداخلي في فنزويلا لوجدنا أن الرئيس الحالي هوجو شافيز، بغض النظر عن شخصيته وسياسته التي قد نتفق أو نختلف معها، وصل إلى الحكم من خلال انتخابات حرة تمت حسب القواعد الديمقراطية المطبقة في البلاد، وطبقا لدستور استفتي عليه الشعب ويتضمن الطرق الصحيحة لتبادل السلطة ديمقراطيا، ولم يطعن أحد في هذه الانتخابات بأي شكل من أشكال الطعون التي تفقد الرئيس مصداقية انتخابه، خاصة أن تلك الانتخابات تمت في ظل رقابة ثلاثية: مراقبون من الدول الديمقراطية، وعلى رأسهم مؤسسة جيمي كارتر الرئيس الأميركي الأسبق والفائز بجائزة نوبل للسلام لهذا العام، الذي حضر هذه الانتخابات بنفسه، ومراقبون من دول الاتحاد الأوروبي ما بين مراقبين رسميين وآخرين من المنظمات غير الحكومية، إضافة إلى مراقبين من دول أميركا اللاتينية. لم تحدث ضغوط من جانب أحد خلال الحملة الانتخابية، وان حاول البعض من مرشحي الأحزاب القديمة أن يدعي عدم قدرته على الوصول إلى الناخبين بشكل حر، مع أن الواقع يقول أن وسائل الإعلام الخاصة يمتلك معظمها من ترشحوا في مواجهة قائمة الترشيح التي تقدم بها الرئيس هوجو شافيز، ورغم أن وسائل الإعلام الخاصة بين أيديهم إلا انهم بسبب انتماءاتهم المسابقة وجدوا أن الجماهير لن تدعمهم، لان تلك الجماهير عانت الكثير طوال الأربعين عاما الماضية التي تبادل فيها الحزبان الرئيسيان السلطة بشكل يكاد متساويا في الزمن والنهب والفساد، وكأنه طبقا لاتفاق يسمح لمنتسبي كل حزب وزعمائه بالتربح من خلال الممارسة السياسية وعلى حساب الجماهير. خلال الانتخابات أعلنت جميع الدول الأوروبية والولايات المتحدة عن احترامها لقرارات الجماهير، وان اختيار الجماهير لرئيس وأعضاء برلمان من لون أو توجه معين هو اختيار ديمقراطي لا يجب التشكيك فيه، فان نجاح الكولونيل السابق هوجو شافيز قوبل بترحيب مبدئي على أساس احترامه لالتزامات بلاده تجاه الدول الأخرى، ومن بين تلك الالتزامات التي ترتبط بها فنزويلا هناك ارتباطات مع الولايات المتحدة تعتبر مجحفة للشعب الفنزويلي وحكومته ومن حق الرئيس المنتخب أن يطلب تعديلها في ظل الاحترام المتبادل والندية، وليس تنفيذا لأوامر صادرة من أعلى، وهي التزامات قابلة للتعديل أصلا لأنها مرتبطة مع المتغيرات السياسية المحيطة. حسابات خاطئة من هنا كان من حق الرئيس الجديد أن يضع التزامات جديدة في اجندته السياسية، وبما انه رأى حسب العلاقات الدولية أن من مصلحته دعم دول تتعرض لظلم فادح من جانب الدول الكبرى مدعية الديمقراطية، فقد الزم نفسه وبلاده مساعدة دولة مثل كوبا تواجه حصارا اقتصاديا لا يقوم على أساس قرار من الأمم المتحدة، التي تعتبر الجهة الوحيدة المخولة دوليا لفرض عقوبات بسبب مواقف مجرمة في قانونها. بهذه الخطوة اكتسب عداء القوة المهيمنة التي ترى أن لشعبها فقط الحق في الحياة في ظل الديمقراطية التي ترفع شعاراتها، فيما يصبح تمتع الشعب الفنزويلي بتلك الديمقراطية مشروطا بتسليم ثرواته الطبيعي ليستمتع الشعب الأميركي في الوقت الذي يحتاج فيه الفنزويليون إلى توفير احتياجات أساسية ولا غنى عن استغلال الثروات الطبيعية للبلاد وفي إطار علاقات سوق متوازنة تحقق العدل لجميع الأطراف. خلال إعلانه الوقوف إلى جانب كوبا، وتسهيل حصولها على البترول بأسعار معقولة تخفف من محنة الحصار الأميركي عليها، فقد كسب الرئيس هوجو شافيز عداء الولايات المتحدة فقط، لأن المصالح الأوروبية في هذا المجال محدودة، ولذلك حافظت دول الاتحاد الأوروبي عدا استثناءات فردية لارتباط أصحابها بالسياسة الأميركية مباشرة، على علاقات طيبة مع الرئيس الفنزويلي الجديد باعتباره نموذجا يحتذى في دول أميركا اللاتينية الأخرى، التي لا تزال تحوم على رؤوسها الانقلابات العسكرية، بل واعتبرته الدول الأوروبية نموذجا للضابط الانقلابي الذي تعلم أن الطريق إلى السلطة عن طريق صناديق الاقتراع افضل من الرصاص والدماء. لكن الرئيس هوجو شافيز أخطأ في حسابات العلاقات الدولية التي لا تزال قائمة على أساس استعماري قديم، برغم أن بلاده مستقلة عن أي احتلال منذ زمن طويل، فقد أراد أن يحصل لشعب بلاده على مقابل مادي عادل لتصدير المواد الخام الفنزويلية إلى باقي دول العالم، واستغل فرصة رئاسة بلاده لمجموعة الدول المصدرة للبترول «الاوبك» قبل عامين، واستطاع أن يبذل جهدا كبيرا لتحقيق خفض في الإنتاج أدى إلى رفع السعر ليكون اقل إجحافا للدول المنتجة للمادة الخام في مواجهة الدول المستوردة له، وفي الوقت نفسه تعتبر مصدرة لمعظم السلع التي تستوردها الدول المصدرة للبترول، وهي سلع يتم تسعيرها على أساس سعر البترول خلال ارتفاعه، ولم يتم خفض اسعارها عندما انخفض سعر الخام الأسود (؟!). بعد نجاحه في جولاته وبشكل خاص في إقناع العديد من الدول المصدرة ذات التأثير الكبير على خفض الإنتاج مما نتج عنه ارتفاع أسعار البترول الخام أو بمعنى اصح عودة تلك الأسعار إلى طبيعتها لأنه كانت اكثر بكثير مما كانت عليه عند توليه السلطة، وهي جولة شملت دولا لا يتمتع زعماؤها بقبول لدى الولايات المتحدة والغرب مثل صدام حسين والرئيس الليبي معمر القذافي. هذا النجاح لم يكن يصب في مصالح شركات ودول الاتحاد الأوروبي، لأنه من الظلم أن نقول انه لا يصب في صالح الشعوب، لأنه مما لا شك فيه أن الشعوب الديمقراطية تريد لغيرها من الشعوب الأخرى أن تعيش في رخاء، لأن هذا الرخاء لا يتعارض مع رخاء الآخرين، ولكنه يتعارض فقط مع المكاسب المادية الضخمة التي تحصل عليها الشركات الكبرى باعتبارها المؤسسة المتحكمة في السوق، وفي الوقت نفسه فإن تلك الشركات تمثل الممول والمحرك للسياسيين والأحزاب السياسية الحاكمة في الدول الديمقراطية. العودة للماضي من هنا انضم السياسيون الأوروبيون إلى البيت الأبيض في سياساته تجاه الرئيس هوجو شافيز، وتم تجنيد كل وسائل الإعلام الغربية للعمل على إسقاط الرئيس الفنزويلي عن طريق السلاح بعد أن فشلت المعارضة السياسية في تشكيل قاعدة شعبية كبيرة على أمل هزيمته في الانتخابات المقبلة والتي تحين بعد ثلاثة أعوام. ولما فشل السلاح بفشل الانقلاب العسكري المدني الذي خططت له المخابرات الأميركية وموله رجال الأعمال في فنزويلا، عادت الولايات المتحدة إلى سياستها القديمة في القارة الجنوبية، تلك السياسة التي كانت نتيجتها مئات الآلاف من الضحايا والدماء التي جعلت بالمقابل شعوب تلك البلاد لا تزال تذكر كيسنجر باللعنات، وتنظر إلى واشنطن بكراهية. السياسة الأميركية الجديدة القديمة تريد ان تعيد سيرة الانقلابات التي أطاحت بالرئيس التشيلي المنتخب سلفادور الليندي في حمام دم سبتمبر 1973، وجاءت بالجنرال بينوتشيه لتشيعه اللعنات مع ربيبه وتطارده العدالة. من الممكن ان تقول الولايات المتحدة انها مقابل كراهية الشعوب الأخرى لها فإنها لا تحب هوجو شافيز ولا سياسته، ولكن ليس من حق الولايات المتحدة أن تطالب بإسقاط رئيس منتخب لأنها لا تحبه أو يرفض أن يكون عميلا لها على حساب وطنه، وإبعاده عن السلطة لا بد وان يتم عبر قنوات يقررها الدستور الفنزويلي لا البيت الأبيض، وهي صناديق الاقتراع، ولو كانت الولايات المتحدة يهمها ان تبقى الديمقراطية حية في فنزويلا فعليها ان تنصح المعارضة الموالية لها بالقيام بعملها من خلال إبراز ما ترى انه سلبي في سياسة هوجو شافيز بدلا من تدمير الاقتصاد الوطني الذي لا يعتبر ملكا للرئيس المغضوب عليه ولا ملكا لحزبه، بل هو ملك الوطن، وإلا فان هذه المعارضة تريد ان تحكم أطلال وطن، تماما كما تسببت من قبل خلال فترات حكمها في تدمير الثروة القومية. في النهاية فان الرئيس هوجو شافيز منتخب ديمقراطيا وإبعاده عن السلطة يتم من خلال الانتخابات وليس عن طريق الرشوة والإضرابات والمظاهرات، لأن هذا سلاح خطر، ويمكن استخدامه غدا أيضا ضد من يستخدمونه اليوم، لأن أحوال السياسة متغيرة، ومن تحبهم واشنطن اليوم قد تكرههم غدا. ـ كاتب مصري مقيم في اسبانيا