الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 ماذا تفعل وانت الفرد الكبير الناضج اذا ما كانت البيئة الاجتماعية من حولك تصطدم بشكل واضح وصريح مع الرصيد الذي تملك من الافكار والمبادئ والذي تعتبره كنزا لا ينضب من المعاني الايجابية القادرة على ان تضيف للحياة قدرا هائلا من الفاعلية والتأثير. ان اجابة مثل هذا السؤال في وقتنا الحالي ليس لها الا وجهين اثنين لكل منهما لونه الخاص وعاقبته التي يستدعيها سلوك الفرد الناضج ازاء التناقض الصريح بين مخزونه الثقافي وبين واقعه الذي يرتبط به. اما الوجه الاول فهو ان يتشبث ذلك الشخص بافكاره وقناعاته رغم معارضة الواقع الصريحة لتلك الثقافة الناقدة ورفضه لها. حينها سيغدو سابحا ضد التيار، وسائرا عكس الاتجاه العام، وعليه ان يتحمل ضريبة هذه المثاليات التي لم يعد الزمن قادرا على احتمالها، او راضيا بمزاحمتها له بعد ان خلت الساحة له زمنا طويلا. والوجه الثاني الذي يمثل الصورة المخالفة لموقف المواجهة واعلان التحدي هو التعايش السلمي مع الشذوذ والاخطاء ـ وهو اختيار لدى كثير من حكماء العصر ـ الاقرب للسلامة ـ حيث لا يحتاج الفرد لان يعيش خاليا من الهموم والاحزان الا الى جرعات مركزة من المجاملات التي سوف يألفها ويعتاد عليها اذا ما آمن انها سلاح دفاعي فعال ضد اتهامه بالجرأة في اعلان النقد او الثورة على الواقع ومحاولة تغييره!! والى جرعات متوالية من تصنع (الاستهبال) امام التصرفات السلبية التي تصدر ممن حوله، والى مايوازيها من الكلمات المنمقة التي تؤكد ان رأيه الخاص لا يمكن ان يخالف رأي الكبار في كل قراراتهم ومشاريعهم وبرامجهم المعدة سلفا وانه ليس لديه اي وجهة نظر غير التي أبداها أولي الخبرة والدراية والرأي السديد!! فاذا ما انجز هذا الدور التقليدي بنجاح، اصبح حاذقا كبقية الحذاق المدربين على تخطي الازمات الصعبة عن طريق تفعيل مثل هذه السياسة المجربة التي ابدعها كبار الحكماء في العالم الثالث، وقدموها للبشرية كحرز فعال يقيهم الشرور والاشرار، وقد اختزلوها في كلمات ثلاث اوضحت سر النجاح، وتعويذة الفوز والفلاح، وهي كما تعلم: (لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم) حينها ـ وبدون شك ـ سينقطع بمثل هذا الانسان الذي كانت له اهتمامات كبرى يوما من الايام أي أمل في امكانية تصالح الواقع مع مثالياته القديمة التي اصبح يراها غير قادرة على حمايته وتقديم الدعم المناسب له!! والمحزن ـ أيها الاخوة والاخوات ـ ان اصحاب الموقف الاول الرافض للتوافق مع الخطأ، والانجذاب اليه اصبحوا اندر من الكبريت الاحمر، ولم يعد وجودهم يشكل نوعا من التحدي الجماعي امام الشذوذ ومخالفة المألوف من القواعد الاخلاقية والاعراف الصحيحة. اما من انساق وراء الاخطاء، ورفع الراية البيضاء فهم كثر لايكاد يحصيهم عدد، ولا يجمعهم مكان، ولو انهم كانوا صرحاء مع انفسهم والآخرين، واعترفوا بذوبانهم السريع في المجتمع المحيط بهم، لكان ذنبهم اقل ضررا من تبريرهم للارتماء امام السلبيات وتصالحهم مع التجاوزات على انها الخيار الوحيد الذي كان متاحا لهم. كما ان المواجهة مع الواقع هو نوع من الدخول في حرب غير متكافئة القوة ولا مضمونة النتائج. وبهذا فالحق ضعيف ـ لانه ـ في زعمهم ـ ليس لديه غطاء شعبي واسع، ولا ارادة جماعية بارزة فوق السطح ولذا فان كل المحاولات الفردية ـ حسب تحليل المنهزمين ـ سيكون عاقبتها الفشل الذريع، ولن تجر على صاحبها الا المشاكل والمحن!! وهكذا وبين يوم وليلة يصبح فارس الامس واحدا من كبار السدنة المسبحين بحمد الواقع، المدافعين عنه!! وهي نهاية غير سارة لحلقات مسلسل التراجع عن المبادئ لصالح المنفعة المادية العاجلة. كما انها أكبر عامل من عوامل الخيبة التي منينا بها اليوم!! انها الكأس المرة التي تجرعها الكثيرون منا طوعا او كرها، واعلنوا معها انهيارهم المعنوي وعجزهم عن الوصول الى حلول عملية ناجحة تحفظ لهم ماء وجوههم وتمنحهم قدرا من التوازن النفسي الذي فقدوه حين تصالحوا مع الاوضاع المنحرفة!!