الجمعة 16 شوال 1423 هـ الموافق 20 ديسمبر 2002 في غمار حياة الإنسان العربي القديم، وتفاعله وظواهر البيئة الطبيعية، وكائناتها، وتجارب المعاملات الانسانية فيها، استخلص الناس بعامة، والحكماء بخاصة، عبراً ونتائج عبروا عنها بأقوال وامثال بليغة موحية، صار استعمالها من بعد من أهم مظاهر بلاغة المتحدثين وثقافة ألسنهم. وكانت الطيور بأنواعها التي عرفوها وخبروها، في مقدمة ما استشهدوا به وضربوا به الامثال، وقد تميز منها بنصيب وافر من الأقوال والامثال «الغراب». و«الغراب» ـ ومن كناه «ابو حاتم» ـ جمعه اغرب، وغربان، واغربة، وجمع جمعه: غرابين. وهو طائر اسود من رتبة الحوائم. ومن التعابير المجازية الشهيرة، يقال: «اغربة العرب»، للسودان منهم، ومنهم الشعراء الاغربة، واشهرهم: عنترة العبسي، ونصيب، والعكوك، وابو دلامة. والعرب يتشاءمون من الغراب، فيقولون: «غراب البين»، و«أشأم من غراب البين». ومازلنا نحن حتى الآن نتشاءم عند سماع نعيق الغراب «أو نعيبه»، ولعل من أسباب ذلك ما عرف عنه من عادة السكنى في الخرائب. وقد شاع في شعر الفراق والبين ذكر الغراب، ومن ذلك قول احدهم: صاح الغراب بوشك البين فارتحلوا وقربوا العيس قبل الصبح واحتملوا وأطرف من ذلك قول شاعر آخر: ما فرق الاحباب بعد الله إلا الابل والناس قد لاموا غراب البين لما جهلوا وما على ظهر غراب البين تطوى الرحل ما فرق الالاف إلا ناقة أو جمل وما يقال ـ قدحا ـ في الغراب: «اغرب من غراب»، و«أبطأ من غراب نوح»، لمن يذهب في أمر فلا يعود، اشارة إلى الغراب الذي بروى ان نوحاً عليه السلام ارسله لينظر هل انحسر الطوفان، فغاب ولم يرجع. ومن ظريف الامثال قولهم: «كالغراب والذئب»، ويضرب للرجلين بينهما موافقة، لان الذئب اذا اغار على فريسة تبعه الغراب ليأكل ما فضل منه. وقد لاحظ احد الشعراء الظرفاء ان الغراب لا يواسي الذئب فيما يصيد، كما يفعل الذئب معه، وقال في ذلك: يواسي الغرابَ الذئبُ فيما يصيده وما صاده الغربان في سعف النخل ويقال لمن فقد شيئاً بلا أمل في استعادته: «هيهات طار غرابها بجرذانك». على ان الغراب في نظر العربي لم يكن رمزا للبين والخراب فحسب، وانما كان رمزاً لمعان اخرى طيبة أيضاً، حيث يضرب به المثل في البكور، وفي الحذر، وفي السواد الذي كثيراً ما يكون مستحباً. يقال مثلاً: «بكرت بكور الغراب». ويقال: «فلان احذر من الغراب». وفي وصف الارض المخصبة، يقال: «ارض لا يطير غرابها». وكما يقال تعبيراً عن الوقار والوداعة: «هو ساكن الريح»، يقال: «هو واقع الغراب»، ومن ذلك قول الشاعر: ومازلت مذ قام ابن مروان وابنه كأن غراباً بين عيني واقع ومن الامثال المستمدة من شدة وثبات سواد الغراب، قولهم للشيء المستحيل: «دون هذا شيب الغراب». كذلك يرمزون به إلى سواد شعر المرء وثيابه، فيقال مثلا: «طار غرابه» بمعنى: شاب شعره، ومن ذلك قول الشاعر: أيا بومة قد عششت فوق هامتي على الرغم مني حين طار غرابها ومثل ذلك وأرق منه قول الشريف الرضي: وليلى ترى الفجر في عطفه كما شاب بعض جناح الغراب ومن ظريف ما قيل من ذلك قول احدهم بصراحة مرة: يا ايها الرجل المسود شيبه كيما تعد به من الشبان اقصر، فلو سودت كل حمامة بيضاء ما عدت من الغربان لكن أهم المعاني التي تنوه بمناقب الغراب، تميزه بحسن اختيار بعض مآكله، فيقال: «الغراب اعرف بالتمر»، ذلك ان الغراب لا يأخذ من تمر النخيل الا الاجود، ولذلك يقال لمن وجد شيئاً نفيسا: «وجد تمرة الغراب». وأخيراً، فإن بعض العرب كانوا يتفاءلون بالغراب، ويقولون: اذا صاح الغراب مرتين كان ذلك نذيراً بشر، أما اذا صاح ثلاث مرات، فذلك بشير بخير. وعلى هذا، هل يكون لنا ـ في احوالنا العربية، التي يصم آذاننا فيها «نعيب» الغربان، مثنى مثنى ـ ان نجأر بالشكوى والرجاء: «متى «تنعق» غرباننا.