الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 كنت ألتقي مع بعض الأصدقاء عندما لمحته عن بعد. بلغ اهتمامي أقصاه. تابعته بنظراتي. فيما يبدو كان على موعد مع شخص آخر وكان يبحث عنه. كنت في شوق هائل للقائه. لكنني لم أتحرك من مكاني. وكما ظهر فجأة اختفى فجأة. ولمت نفسي على تقاعسي، فأنا لا أعرف له الآن طريقة أصل بها إليه. قلت لنفسي أنني لو قمت لألحق به لسألني أصدقائي: من هذا؟ وأنا لست متأكدا أنه هو. ولعلك تتساءل الآن: من هو؟ وأحب أن أبدأ به فهو غاية الحديث. واسمه «لويس الشاروني» وهو ينتمي الى قرية «شارون» في محافظة المنيا، وهي القرية التي طالب البعض بتغيير اسمها بعد تنامي الدور الشيطاني لأرييل شارون. ولكن العقلاء اعترضوا قائلين ان «شارون» اسم توراتي وان الكثيرين يتسمون بهذا الاسم، وأظنكم تتذكرون الممثلة شارون ستون. ولويس الشاروني ينتمي الى هذه القرية الصعيدية الصغيرة وتتبع نقطة معصرة حجاج، ولقد عشت في معصرة حجاج اجازتين من اجازات الصيف الدراسية وأنا في المدرسة الثانوية. وكان أهلها من أطيب الناس وأرقهم. وكان عدد المسيحيين يتساوى مع عدد المسلمين، فعاشوا في توافق مذهل ربما كان يمتد الى زمان طويل. وعندما كان والدي يستقبل زواره في غرفة «الجلوس» كنت أسمع أحاديثهم: يا جورج ألا تستطيع السفر الا مع الحاج أحمد. منذ شارك درويش المقدس حنا ولا أحد يعرف كيف يكلمه. ياحسن أفندي توسط عند المعلم بطرس ليزوج ابنته هيلانة لابني! وكان لويس الشاروني بين هؤلاء الزوار لكنه كان شخصا مميزا وسط هؤلاء جميعا. كان شابا صغيرا، ومع ذلك كان عمدة شارون. وكانت صورة العمدة في أذهاننا ـ وربما مازالت حتى الآن ـ صورة ريفي ضخم الجسم طويل الشارب، الذي يوصف بأنه يقف عليه الصقر. وهو على غبائه ذكي في كل مايخص ادارته لقريته. العنف سمة من سلوكه، يخاف من رؤسائه وينزل الرعب في نفوس أهل القرية. لكن لويس الشاروني لم يكن قريبا من هذه الصورة. كان نقيضها تماما. كان وسيما كنجوم السينما. حليق الشارب وكان هذا نادرا في أهل المدينة فما بالك بأهل القرية وبالذات العمدة. وكان الصبيان منذ الرابعة عشر ينشغلون بشواربهم ويرون فيها رمز الرجولة، ويتبارون في مساحاتها! وفجأة أصبح «لويس الشاروني» خبرا في الصحف عندما سافر الى رومانيا في وفد لانصار السلام. وهاجمته الصحف الحكومية واسمته «عمدة بوخارست» وهو الاسم الذي صاحبه حتى الآن. فلقد كانت جماعة انصار السلام متهمة بأنها غطاء للحركة الشيوعية. وكان الانتماء اليها يساوي في نظر السلطة الانتماء الى تنظيم سري. ولا أظن أن لويس الشاروني كان كما اتهموه. لكنه ابتعد على أي حال. وقابلته في القاهرة وقد خلع الجلباب الريفي، ولبس بدلة افرنجية على أحدث طراز، وربطة عنق باريسية. ودلني على مكتبه في وسط البلد. فلقد قرر أن يعمل في التجارة. ولا أظنه أفلح في ذلك كثيرا. ولقد تلاقينا عدة مرات. وكان مثل معظم الشباب متحمسا لتجارب الدول الشرقية. وكان ذلك طبيعيا لطول معاناتنا من الدول الغربية، وللظن بأن نمطا سياسيا بدأ يؤكد على العدالة الاجتماعية، وهو بالطبع ما اتضح انه وهم. ولقد ارتبط لويس الشاروني لدي بقضية كيف نرى الأمم، فنحن نتعامل مع الدول كما تعامل العميان مع الفيل. انهم لا يعرفون ما هذا الشيء، فأخذ كل منهم يتبين جزءا منه. الذي أمسك بأذنه قال انها شجرة وهذه هي ورقة الشجرة. والذي أمسك بالخرطوم قال إنه برج. والذي لمس الجسد قال انها دبابة. لكن أحدا لم يدرك الكائن ككل. نحن ايضا نتعامل مع الأمم كثوابت لاننا أهل الفيل. ولو أننا رأينا الأمور من وجهة نظر أبعد لرأينا الأمم مثل الكائنات.. تولد ضعيفة وتحتاج الرعاية. وتنمو لتتعلم من الآخرين، وتبلغ الشباب فتكون في قمة قوتها وبعد حين تصيبها الشيخوخة، حقا ان بعض الأمم تستمر في احدى المراحل أكثر، لكن القاعدة يدافع عنها كثيرون من علماء التاريخ المعاصرين، وأظن ان النظرية من وضع ابن خلدون. وكان من الاحاديث التي دارت بين لويس الشاروني وبيني قلقي من أن النظام في الدول الشرقية لا يقوم على أساس سليم. وحكيت له قصة أكد لي أنها بلا معنى. لكنني صممت على أنها الميزان الذي أعرف به قدر الاشياء. فلقد كنت في ليننغراد التي غيروا اسمها فيما بعد الى بطرسبورغ وهو اسمها الأول. وبالمناسبة كنت معترضا على تغيير اسم بطرس الى لينين، فلقد كان بطرس حاكما وطنيا عظيما ولا يمكن إلغاؤه. واذا كانت روسيا السوفييتية تريد تكريم لينين فلتبني مدينة تطلق اسمه عليها أو حتى تطلقه على موسكو فهذا ليس سرقة لعهد حاكم سابق. المهم انني أردت الذهاب الى المسرح وحجزت في مسرح لم أر أفخم ولا أجمل منه. وفي يوم العرض ذهبت مبكرا جدا وقضيت وقتا حول المسرح، واكتشفت ان الارميتاج يقع على مسافة قريبة. والبعض يرى ان الارميتاج اعظم متاحف الدنيا، وربما كانوا مبالغين.. واحتجت ـ نظرا لطول الوقت ـ للذهاب الى الحمام. فوجدت حماما عاما بنقود بين المسرح والارميتاج، وما أن خطوت نصف خطوة اليه حتى قفزت الى الخلف لسوء المكان. وشغلني التناقض بين عظمة الارميتاج وفخامة المسرح وقذارة الحمام، وقلت لنفسي: هذا نظام، مات لكنه جالس على كرسيه المهيب. والنمل الأبيض يقرض الخشب، فإذا وصل الى نقطة معينة انهار الكرسي بصاحبه. هكذا قلت لصديقي لويس الشاروني ولغيره. ولكن صوتي كان أغرب من أن يسمعه أحد. وهذا طبيعي فلو كنت فلانا بن فلان في القرن الخامس الميلادي وقلت ان «فارس» هذه الامبراطورية العظمى ستسقط لما صدقك أحد. وإذا أحسن إليك شخص وسألك عن الاسباب، ماذا تقول؟ هل تقول له انك اكتشفت هذا من تغير نظام الطعام، فلقد كان الفارسي وهو في مرحلة البداوة يأكل مرة واحدة في اليوم. وهكذا بنى دولته وفنه وأدبه. ولكن بعد ان زاد الثراء اتجه الى الرفاهية. حقا انه استمر على نفس النظام: الوجبة الواحدة في اليوم لكنها تبدأ من الصباح ولا تنتهي الا في المساء! هل يكون هذا الشيء البسيط هو الدليل على أن الامبراطورية ستسقط؟ هل يكفي ان ترى الظلم والعدوان يسودان بلدا لكي تقرأ مستقبله الأسود؟! كنت أريد أن أدرك لويس الشاروني لأقول له: مارأيك لو أنني قلت ان الولايات المتحدة ـ التي هي أقوى دولة في التاريخ ـ ستنهار وتعلن افلاسها. وأنها ربما أخذت في خطب ود دولة فلسطين، ليس فقط لترضى عنها فلسطين بل ربما لترضى عنها دولة عربية أخرى. ومارأيك لو انني قلت انه ربما أتى يوم يزور فيه رئيس الولايات المتحدة (وهو هندي أحمر) جمهورية جامايكا لطلب معونتها الاقتصادية. طبعا هذه افتراضات يتهم صاحبها بالجنون. لكن أكثر منها حدث. أردت أن استوقف لويس الشاروني، عمدة بوخارست الصعيدي، واتحدث معه في كل هذا. فلما فشلت ـ لكسلي ـ في ادراكه اخذت أحدث اصدقائي بكل ماسبق. وغمغم أحدهم: جامايكا تساعد أميركا؟ طبعا أنت مجنون! وأعرف أن رد اعتباري آت لا ريب فيه. لكن متى؟ لا أدري!