الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 البيان السياسي لمؤتمر المعارضة العراقية يتألف من اكثر من ألفي كلمة.. ومع ذلك فانه من أوله لآخره يخلو من أية اشارة إلى الخطة الأميركية لغزو العراق. لكن هذا الاغفال ـ على شذوذه ـ يجب الا يكون مثار دهشة. فالقصد في حصر البيان في مساحة زمنية لم تأت بعد ـ مرحلة ما بعد صدام ـ هو تحاشي الظرف الزمني الحاضر، لأن السؤال الحرج الذي يفرضه الحاضر على 350 عراقياً معارضاً اجتمعوا في لندن هذا الاسبوع يمثلون ستة او سبعة في الفصائل المختلفة هو أولاً تصلون الى «مرحلة ما بعد صدام».. وبأي وسيلة؟ وجه الحرج في السؤال هو الا احد من بين هذه المئات من المعارضين يرغب في ذكر ما يستحى من ذكره، وهو ان مهمة الاطاحة بنظام بغداد موكلة إلى ولي الأمر الاميركي بطائراته وصواريخه ودباباته. هذه هي طبيعة المعارضة التي يمارس اصحابها نشاطهم السياسي اليومي من فنادق خمسة نجوم في عواصم غربية، بغيتهم ترف العيش وهاجسهم السلامة الذاتية والأمان. لذا نفهم لماذا سكت بيان لندن عن كيفية الوصول إلى «مابعد مرحلة صدام». على ان عقدة الذنب من استشعار العمالة تنبث من ثنايا عبارة واحدة في سياق البيان تنص على ان مؤتمر المعارضة «يرفض أية صيغة من صيغ الاحتلال أو الحكم العسكري المحلي أو الاجنبي أو الوصاية الخارجية». ومن الواضح ان هذه اجابة غير مباشرة لسؤال مطروح عربياً واسلامياً حول خطة اميركية مسربة لوسائل الاعلام ولم تنفها ادارة بوش، تنص على ان يسفر الغزو الاميركي للعراق عن انشاء حكومة احتلالية اميركية في بغداد برئاسة جنرال أميركي. والسؤال الاضافي الذي يجب ان يطرح الآن هو: اذا كانت المعارضة العراقية ارتضت ان تقوم اميركا بدور الاطاحة بالنظام العراقي بوسيلة القوة العسكرية لأن هذه المعارضة عاجزة عن القيام بهذا الدور اعتماداً على قوة ذاتية، فما هي القوة التي تملكها لمنع قيام حكومة احتلالية أميركية في العراق؟ لكن الاغرب من هذا كله هو ان واشنطن استبقت عقد مؤتمر المعارضة في لندن بتسمية فصيل واحد بعينه ليتولى الحكم في العراق تحت سيادة الجنرال الاحتلالي الاميركي، والا فما معنى ذلك القرار الذي اعلنه الرئيس بوش رسمياً بتعيين مبعوث دبلوماسي ـ زلماي خليل زاده ـ سفيراً فوق العادة لدى فصيل «العراقيين الأحرار» تحديداً دون غيره من الفصائل؟! وكأن الدور المتصور أميركيا لفصائل المعارضة الأخرى لمرحلة ما بعد صدام سوف يكون ذا طابع استشاري ليس إلا. يقول مثل انجليزي: «من يدفع للزمار هو الذي يختار النغمة». ليس تجنياً على الحق أو تحاملاً على فصائل المعارضة العراقية في الخارج ان تدمغ بالعمالة. فالمعارضة ذاتها تدين نفسها بنفسها في البيان السياسي الصادر عن مؤتمر لندن. في ديباجته يعود البيان إلى الماضي فيشجب الحروب التي شنها النظام العراقي «داخل الوطن وخارجه». والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو: لماذا تحركت المعارضة الآن ولم تتحرك في الماضي؟ لماذا سكتت عن الحرب التي شنتها بغداد ضد ايران خلال ثمانينيات القرن الماضي؟ وبينما يتحدث البيان عن قمع النظام لانتفاضة 1991 في الجنوب العراقي «التي كادت ان تلقي بالنظام الى مساقط التاريخ»، فانه لا يقول لنا لماذا نأت غالبية فصائل المعارضة بنفسها عن هذه الانتفاضة. لقد اتخذت فصائل المعارضة هذين الموقفين السالبين لأنها كانت ببساطة تلبي اوامر اميركية بقدر ما تتحرك الآن تلبية لرغبة اميركية. ففي حرب الثمانينيات انحازت اميركا للنظام العراقي ضد ايران. وانتفاضة الجنوب اجهضت لأن واشنطن، اذ شجعتها باديء الأمر فانها سحبت منها الدعم العسكري لاحقاً، لأن الرئيس جورج بوش الأب فطن إلى ان انتصار الانتفاضة ضد النظام سوف يعني قيام دولة شيعية مستقلة في الجنوب موالية لطهران. وعندما يصل البيان السياسي للمعارضة إلى هذه النقطة الحساسة، فانه يعمد إلى تفسير ما يجري بلغة غامضة تحاشياً لاحراج الولايات المتحدة واحراج قادة المعارضة بأثر رجعي. فالبيان يقول ان «ظروفاً خارجة عن ارادة شعبنا» هي التي حالت دون انتصار الانتفاضة، ولا يقول ان الرئيس بوش الاب هو الذي أمر باجهاضها.