الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 يرى المحللون ان القمة الأخيرة التي عقدها الاتحاد الأوروبي في كوبنهاغن، نجحت في تحقيق هدفين رئيسيين: الأول، التغلب على آخر العقبات التي كانت تؤخر توسيع الاتحاد بضم عشر دول جديدة إليه. والثاني، اعتماد حل وسط بالنسبة لانضمام تركيا إلى الاتحاد، حيث تقرر تأجيل اعلان الموافقة المبدئية على الانضمام سنتين أخريين (حتى ديسمبر 2004). على ان هذه الموافقة ستكون مشروطة بتقديم المفوضية الأوروبية تقريراً ايجابياً في يوليو 2004، يؤكد التزام انقرة جميع المعايير التي حددتها وثيقة كوبنهاغن الاساسية في شأن اكتساب عضوية الاتحاد، اقتصاديا وسياسياً، مع شرط إضافي يتعلق بتسوية المشكلة القبرصية. وبرغم هذا النجاح، الا ان المساومات التي سبقت القمة ورافقت اجتماعاتها، كشفت عن وجود تصورين مختلفين لدور الاتحاد الأوروبي ومهماته المستقبلية. فدول الاتحاد الرئيسة كفرنسا والمانيا تركز على تعزيز الدور السياسي للاتحاد، بالاضافة الى دوره الاقتصادي. وسيصبح هذا الامر اكثر اهمية عندما يكتمل عقد الاتحاد بانضمام الدول الجديدة اليه، بحيث يكرس نفسه قوة عالمية رئيسية لها تأثيرها الحاسم، في السياسة كما في الاقتصاد، وهو ما يستلزم الاهتمامم باعتماد قوة دفاعية خاصة حتى لا يضطر الأوروبيون للاستعانة بحلف شمال الاطلسي في كل كبيرة وصغيرة من شئون التدخل العسكري الجماعي، اقليميا او عالمياً. وبالمقابل، فإنه يؤخذ على دول اوروبية، لاسيما الدول المنضمة حديثا، ألا تنظر الى الاتحاد باعتباره مجرد وسيلة اقتصادية لتحسين اوضاعها، في حين تدفعها اهواؤها السياسية للتطلع نحو الضفة الاخرى من الاطلسي، اي باتجاه الولايات المتحدة. وينطبق هذا التحليل على تركيا بشكل اخص. وفي هذا الشأن يعبر زعيم المعارضة الالمانية رئيس وزراء بافاريا ادموند شتويبر عن تخوفات واضحة، حيث يقول إن «انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي سيكون نهاية للوحدة السياسية الأوروبية» لانه سيؤدي الى تحميل قدرتها على التكامل ما يزيد على طاقتها. ويضيف شتويبر ان «تركيا ستجعل الاتحاد مجرد منطقة للتجارة الحرة، وليس اكثر من ذلك». مساومات الحصص هذا الشعور ساد، لبعض الوقت اجتماعات قمة كوبنهاغن الأخيرة، بعدما تبين ان ثمة مساومات حقيقية تتناول حجم المساعدات التي سيقدمها الاتحاد الأوروبي الى الدول العشر المنضمة حديثا اليه وهي: بولونيا، سلوفاكيا، تشيخيا، هنغاريا، سلوفينيا، ليتوانيا، لاتفيا، استونيا، قبرص ومالطا. وبعد ان كانت المشاورات الأوروبية اسفرت عن الاتفاق على تحديد حجم المساعدات بأرعين مليار يورو، تغطي السنوات الممتدة من 2004 الى 2006، تبين لاحقا ان الدول المذكورة تطالب بزيادة حصصها، ربما تحت ضغط ظروفها الاقتصادية الخاصة، او لانها وجدت في انضمامها الى الاتحاد الأوروبي فرصة لتعويض حرمانها السابق والتمكن من اصلاح البنى التحتية لمصادرها الانتاجية. وقد ادت مساومات الساعات الأخيرة، التي كادت تهدد بإعاقة برنامج توسيع الاتحاد، الى رفع المبلغ المقرر نصف مليار يورو ليصبح 40.5 ملياراً. وكانت حصة بولونيا وحدها من هذه الزيادة 150 مليون يورو. وهي طالبت سابقاً بحصة أكبر، لكن تلويح عدة دول من اعضاء الاتحاد الخمس عشرة بالتخلي عن مشروع التوسيع، حمل بولونيا والدول الاخرى على التراجع عن مطالبها، الأمر الذي مكن القمة من الوصول الى هذه «الخاتمة السعيدة». وعلى ذلك، فإن عام 2003 سيكرس لاستكمال اجرادات انضمام الدول العشر الى الاتحاد ثم البحث في وسائل الاندماج في مؤسساته، بحيث تصبح جاهزة للانضمام واكتساب العضوية الكاملة في عام 2004 وبعد ذلك تبدأ مرحلة جديدة من الشراكة تتمثل بالمشاركة في الاجتماعات واتخاذ القرارات، وفي الوقت نفسه اصلاح البنى الاساسية لاقتصادات الدول المعنية ومصادر الانتاج، بالاعتماد على التمويل الذي ستحصل عليه من الاتحاد. ومن المفترض ان تسفر عملية الاصلاح، خلال السنوات الثلاث اللاحقة، عن رفع مستوى اقتصادات الدول العشر لتصبح متماثلة مع اقتصادات الدول الخمس عشرة التي يتكون منها الاتحاد الاوروبي حالياً، وهو الهدف الذي يطمح اليه الاتحاد في المرحلة الحالية من برنامجه التوسعي، وبعد ذلك ربما تصبح روسيا الهدف التالي، وذلك بايجاد صيغة ما لشراكة تجمعها، وهو ما تشجع عليه الكثير من خطوات التقارب والتعاون الحالية بين الجانبين. الموقف من تركيا واذا كانت عملية توسع الاتحاد الاوروبي في اتجاه الشرق تبدو امراً مرغوباً فيه من قبل دول الاتحاد جميعها، لاسباب ثقافية واجتماعية واقتصادية واضحة، إلا ان الامر ليس كذلك بالنسبة لتركيا، فالاوروبيون يعتبرون تركيا غريبة عنهم وتباعد بينها وبينهم عوامل عديدة، ربما يكون العامل الديني ابرزها، كذلك فإن وضعها الاقتصادي الصعب لا يشجع على الدخول في شراكة كاملة معها. ان وجود عشرين مليون عاطل عن العمل في تركيا يثير مخاوف حقيقية لدى دول الاتحاد الاوروبي التي ستكون حدودها مفتوحة تماماً امامهم، وخلال العقد الاخير واجهت المانيا تجربة مماثلة، وذلك عندما انهار جدار برلين اواخر الثمانينيات ووجدت الدولة الالمانية الموحدة نفسها امام مسئولية استيعاب الملايين من العاطلين عن العمل في المانيا الشرقية «سابقا» وحتى الآن مازالت المانيا تعاني من آثار عملية الاصلاح والدمج، الامر الذي ادى الى اهتزاز اقتصادها القوي وتراجعه على نحو يثير القلق. بل ثمة ما هو اكثر من ذلك وابعد مدى في طروحات المسئولين الاوروبيين بالنسبة للشراكة مع تركيا، فبالاضافة الى ما كان الرئيس الفرنسي الاسبق فاليري جيسكار ديستان «رئيس الاتفاقية حول مستقبل اوروبا، حاليا»، صرح به، من ان انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي سيشكل «نهاية الاتحاد» ـ على حد تعبيره ـ و«يطرح السؤال حول حدود اوروبا» ها هو وزير الخارجية الفرنسي «الحالي» دومينيك دوفيلبان يطرح السؤال ذاته، لا حول «حدود اوروبا» فقط، بل وايضا حول «هويتها» ويقول الوزير الفرنسي في هذا الشأن ان «المشكلة يمكن ان تطرح ايضا بالنسبة للبلقان وأوكرانيا ومولدافيا وبيلاروسيا، اذ ان المسألة الاساسية هي معرفة الحدود التي ستقف عندها اوروبا. لكن دوفيلبان يعود فيقول «على كل حال.. علينا ان نبتكر مع مجمل الدول المجاورة ومجمل الدول الحدودية سياسات اصيلة وشراكات تعبر عن اراداتنا في عدم اقامة اسوار تفصل بيننا وبين الآخرين». اما زعيم المعارضة الالمانية ادموند شتويبر فيعبر عن هذا الموقف بصفة اخرى فهو يقول ان لتركيا خلفية تاريخية وثقافية مختلفة عن الدول المنضمة حديثاً، فهي ليست جزءاً من المجتمع الاوروبي، من حيث القيم، انها لم تشارك في كفاح شعوب اوروبا من اجل الحرية وتقرير المصير والتضامن، ان لديها خلفية اجتماعية مختلفة. على الرغم من ان هذه العوامل لعبت دوراً مهماً في ابقاء البوابة الاوروبية مواربة امام تركيا على مدى السنين الماضية لكن ثمة عوامل اخرى عديدة لعبت، ولا تزال تلعب مثل هذا الدور ايضا، وهي عوامل اقتصادية وسياسية يعرفها الطرفان جيداً ويتحدثان عنها بصراحة، انها تتصل بالممارسة الديمقراطية في تركيا، وبسجل انقرة الخاص بحقوق الانسان، واقتصاديا بارتفاع نسبة التضخم وارقام البطالة العالية، وانتشار الفساد وعدم شفافية السياسات الاقتصادية ثم بهيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي في البلاد، ناهيك بالمشكلة القبرصية ورفض انقرة المساهمة في حلها. وكما هو معروف فإن معالجة هذه القضايا تعتبر شروطاً اساسية للموافقة على انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي. ومع ان الحكومة التركية عملت على معالجة بعض هذه المشاكل بتعديل القوانين الخاصة بها، لكن الاتحاد الاوروبي مازال ينتظر المزيد، ليس من الخطوات الاجرائية فقط، بل من الممارسات العملية ايضا. وهذا هو الاهم، كما يؤكد العديد من المسئولين الاوروبيين. نظرة مستقبلية المحللون الذين اعتبروا قرار قمة كوبنهاغن في شأن ضم تركيا الى الاتحاد الاروبي، خطوة الى الامام ـ ولو متأخرة ـ يرون ان ثمة عوامل رئيسية ثلاثة ستشكل المقياس لأي تطور ايجابي محتمل بالنسبة للملف التركي: ـ العامل الاول، يتعلق بمدى قدرة «حزب العدالة والتنمية» على اكتساب ثقة الاوروبيين، من خلال تأكيد الممارسة الديمقراطية في تركيا، وتوضيح هويته الفكرية، وتطبيق الشعارات التي يرفعها حول اعتداله وانفتاحه. فهذا الحزب الذي فاجأ الجميع بالانتصار الكبير الذي حققه في الانتخابات التشريعية الاخيرة ومكنه بالتالي من تسلم السلطة منفردا، تحيط به تساؤلات كثيرة، حتى الآن. ذلك انه، وهو الحزب الاسلامي الاصولي، بحسب التاريخ السياسي لابرز قادته، يرفض الآن ان يسمى «حزبا اسلاميا» بل يطالب بأن تطلق عليه تسمية «حزب ديمقراطي».. فقط، ومن دون اية اضافة. وبما ان الحزب المذكور لا يزال في مستهل تجربته في الحكم، فان فترة السنتين المقبلتين ستكون بمثابة اختبار له، بالنسبة لممارساته الداخلية من جهة، وبالنسبة لعلاقاته الخارجية من جهة اخرى. ـ العامل الثاني: يتعلق بمدى انحسار هيمنة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي، وطبيعة علاقته مع «حزب العدالة والتنمية» في المرحلة المقبلة، وكذلك فان فترة السنتين «حتى نهاية 2004» تحمل في طياتها رغبة اوروبية في اخضاع الجنرالات الاتراك لاختبار مماثل، ليس هو الاول من نوعه على كل حال. ـ العامل الثالث: يتعلق بمدى الحرص الذي ستبديه القيادة التركية على المشاركة في حل المشكلة القبرصية، استنادا الى الاقتراحات التي تضمنتها خطة الامم المتحدة، فالحكومة التي يرأسها رؤوف دنكطاش في الشطر الشمالي من جزيرة قبرص لا تستطيع اتخاذ سياسات مستقلة، خاصة بها، بمعزل عن رأي حكومة انقرة ودعمها. وعلى الرغم من ان اعلان حكومة دنكطاش رفضها الموافقة على خطة الامم المتحدة لم يحل دون قبول ضم الجمهورية القبرصية «الشطر الجنوبي اليوناني» الى الاتحاد الاوروبي، لكن الاتحاد يفضل ان تكون قبرص موحدة، بشطريها، داخل الاتحاد الاوروبي، لكن الاتحاد يفضل ان تكون قبرص موحدة بشطريها، داخل الاتحاد الاوروبي، حتى يستفيد جميع ابناء الجزيرة من هذه العلاقة الجديدة مع العالم الاوروبي الواسع. عتب وارتياح من الواضح الآن، وبرغم كلام المسئولين الاتراك عن ان الاتحاد الاوروبي يكيل بمكيالين، في اختياره الدول التي تستحق الانضمام اليه، فهم يبدون مرتاحين للقرار الاوروبي. وسبب هذا الارتياح، كما اعلن زعيم حزب العدالة والتنمية رجب طيب اردوغان، وكذلك الرئيس التركي احمد نجدت سيزار، ان «العلاقات بين تركيا والاتحاد الاوروبي توضحت ووضعت على الطريق الصحيح». فما كانت تريده انقرة هو تحديد موعد معين للموافقة عى مباشرة التفاوض معها حول شروط انضمامها الى الاتحاد، لا ان يظل الموقف الاوروبي مبهما ويتوقف عند حدود العموميات. وبالفعل فقد حققت هذا المطلب وان تكن مسيرتها نحو الانضمام الفعلي الى الاتحاد الاوروبي لاتزال طويلة جدا. من المؤكد ان اتصال جورج بوش الرئيس الاميركي بجاك شيراك الرئيس الفرنسي وحثه على قبول انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، ليس هو سبب التطور الايجابي الذي حدث، وعلى العكس من ذلك، فقد بدا المسئولون الفرنسيون منزعجين جدا من هذا الاتصال. وكما اعلنت وزيرة الصناعة الفرنسية نيكول فونتين فانه «ليس من صلاحيات الرئيس الأميركي التدخل في القرار الأوروبي». ومن المعروف ان الفرنسيين، بخاصة، حساسون جدا من التدخلات الأميركية في شئون قارتهم الاوروبية. ولعل الاتصال الأميركي الاخير يضيف مبررا جديدا لهذه الحساسية. وفي هذه الحالة، ليس من مصلحة انقرة ان تستمر في اعتمادها على «بطاقة التوصية» الأميركية. هذا اذا كانت تريد فعلا ان يكون ارتباطها بالقارة الأوروبية مصيريا.. وليس «مصلحيا» فقط! ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا