الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 من اراد ان يلخص حالة القهر التي يخوضها انساننا العربي المعاصر ويصورها ادق تصوير، فعليه ان يراقب هذا الانسان التعيس حال كونه واقفا في طابور من طوابير الادارات الحكومية، او ملطوعا على باب مسئول، ففي كلا الوضعين نرى هذا الانسان الذي كان يوما يقتحم مجالس الخلفاء والولاة ليلقي اليهم بشكواه او مظلمته غير عابيء بحرس او جرس.. وغير متوجس من اتهامه بالعمالة لدولة اجنبية او اعتقاله بتهمة الاخلال بالامن القومي، هذا الانسان اصبح اليوم وقد اهتز كل ما فيه.. قلبه.. وعقله.. واعصابه.. واحساسه بانه بني آدم ينتمي مع قاهريه الى «بابا» واحد هو آدم.. و«ماما» واحدة هي «حواء»..! ـ في الطابور العربي.. تلاحظ سورا وهميا ضخماً حاله كحال «سور برلين» في عز زمانه، يفصل ـ عبر الشبابيك الحديدية ـ بين طبقتين متباينتين من البشر، على الجانب الخارجي من هذا السور ـ وهو الاكبر والاكثر اتساعا وازدحاما بالبشر ـ توتر.. وقلق.. ورهبة ممزوجة بالامل.. ورغبة لا تقاوم في بذل المزيد من ماء الوجه للخلاص من هذا المأزق، اما على الجانب الداخلي ـ الجانب الوظيفي ـ فعكس ذلك تماما من ذلك، استرخاء مشوب بالراحة.. وامن مغلف بالامان.. واحساس لا يقاوم بالسلطة والتسلط..! ـ على الجانب الطابوري من السور الرهيب احساس متزايد لدى المحشورين فيه بأنهم غلابة.. مساكين.. لاحول لهم ولا قوة، ليس لهم من خيار الا «اللطعة» ماشاء للموظف مزاجه.. وما شاء لرئيسه التطنيش عما يحدث في ادارته..، اما على الجانب الوظيفي من ذلك السور فشعور قوي لدى الموظف المتواجد فيه بالسلطة والسلطان.. وبالقدرة السحرية على التحكم بدون «ريموت كونترول» في هذا الكم المتلاطم من البنى آدميين، بكلمة منه يقفون.. وباشارة من اصبعه يتحركون، ولو سمحت الظروف لذلك الموظف لأمر هذا بأن يصفع ذاك.. او طلب من ذاك ان يخزق عين هذاك، لمجرد التسلية.. او كشرط لانهاء معاملته وتخليصه من زنقة الحشر في الطابور..! ـ على الجانب الطابوري من السور يصبح الوقت سيفا مسلطا على رقاب الواقفين فيه، كلما نظر الواحد منهم في ساعته تسارعت مع عقاربها دقات قلبه، فالدوام تقترب نهايته مع كل دقيقة تمر والطابور لا يتحرك مع حركة الساعة.. واحتمالات طابور آخر في الغد باتت اقرب من احتمالات وصوله الى شباك الاحلام..!، اما على الجانب الوظيفي فالاحساس بالتوتر والقلق هو السائد ايضاً كلما نظر الموظف الى ساعته متصوراً ان العقارب تتباطأ سرعتها او لا تريد ان تتحرك بما فيه الكفاية لينتهي الدوام ويستريح من الحاح هؤلاء المتطفلين على راحته والذين لا يريد طابورهم الكئيب ان ينتهي ابداً..! ـ على الجانب الطابوري من السور صراع تفرضه ظروف القهر الذي وضع الجميع تحت طائلته، ومن هنا تبرز عضلات الانانية لدى من يريد ان يسبق دوره.. وتتضخم غدد «الاستهبال» عند نفر من المقهورين.. او الذين لا يريدون ان يظلوا مقهورين، فيتركون الطابور الطويل ويتخطونه متسللين ليقفوا امام الشباك مباشرة في براءة استعباطية مكشوفة متجاهلين صياح وصراخ المطحونين قبلهم في الطابور، اما على الجانب الوظيفي فهناك صراع من نوع آخر، صراع حول من عليه الدور في التزويغ، وعلى من سيقوم بعمله اثناء خروجه الى السوق، وقد يكون صراعاً حواريا يساهم فيه جمهور الطابور بالاستماع الى حلقة من حلقات «الاتجاه المعاكس» ضيوفها الموظفون المكلفون بخدمة الجماهير.. وموضوعها آخر النتائج الكروية على المستويين المحلي والعالمي.. وجمهورها المجبور على المشاهدة والاستماع هم ضحايا هذا الطابور اللعين! ـ على ابواب المسئولين.. الكبار منهم والصغار.. اسوار برلينية اخرى اكثر صلابة ومناعة من سور برلين الاصلي، على كل سور منها سعاة من درجة «البودي جارد».. وعلى ابوابها حارس برتبة سكرتير، مدجج بالحجج والاسانيد والاعذار التي تجعل محاولة تخطي السور والوصول الى المسئول اكثر استحالة من محاولة المذنب دخول الجنة، وعادة لا تفتح ابواب هذا السور المنيع الا لطائفتين محددتين.. هما طائفة حاملي «الكارت الاحمر».. وطائفة حاملي «الكارت الاخضر»، حاملو «الكارت الاحمر» هم المسئولون المماثلون من اصحاب الاسوار الاخرى، اما حاملو «الكارت الاخضر» فهم الموصى عليهم من ناس مهمين لا تقل رتبتهم عن رتبة «صاحب سور»! ـ على الجانب الطابوري ترتفع قيمة الساعي، فيخاطب من جانب الواقفين في الطابور بكل اجلال واحترام، وتغدق الالقاب والرتب على الموظف المواجه للطابور.. فلا ينادى عليه الا بـ «سعادتك».. وتصبح كل كلمة يتفوه بها نطقا ساميا.. وكل نظرة منه لفتة كريمة، وتنهال عليه الدعوات بطول العمر وبالرزق وبالبركة في الزوجة والاولاد الاعزاء لمجرد انه ادى عمله البطولي وانجز المعاملة، اما على الجانب الوظيفي من السور فتنهار بقدرة قادر اقدار الواقفين في الطابور، فكلهم «ملطشة»، لا فضل لكبير على صغير الا بالتأدب امام الموظف وبإعطائه حقه المفروض من التبجيل والتوقير، مع مراعاة الفارق الطبقي الكبير بينه كممثل للسلطة والحكومة.. وبينهم كرعايا واهالي واصحاب حاجات..! الغريب انك لو اجريت تجربة لتبادل المواقع على جانبي السور الطابوري فانتقل المقهور الى الموقع الوظيفي السلطوي وحل محله واحد من ارباب السور القابعين خلفه المتحكمين في خلق الله فسرعان ما يتقمص كل منهم دوره الجديد حسب موقعه الجديد، فيتجبر المقهور.. ويتحول السلطوي المتجبر الى ارنب غلبان يطأطيء رأسه ويقف في خشوع في طابور المقهورين.. وسبحان من له الدوام..!!