الخميس 15 شوال 1423 هـ الموافق 19 ديسمبر 2002 تعرض المفكر العربي الفلسطيني ادوارد سعيد خلال الأسابيع الماضية الى حملة شرسة تتجمل بزي النقد ومسوح الحكمة الضالة، وهي في حقيقة أمرها تهدف الى التشهير بواحد من أجرأ الأكاديميين العرب وأنفذهم بصيرة وأشملهم رؤية في تحليله للثقافة الغربية، وهتكه للمستور من خفايا الاستشراق، فضلاً عن جسارته الانسانية ونبله وأصالته المقدسية، بحيث لم تغش عيونه بهرجة ودعة وترف الحياة في الولايات المتحدة الاميركية، وتجعله مثل كثيرين يتنكرون لأوجاع أوطانهم، وينسلخون من جلودهم، طمعاً في الالتحاق بالغربي مانح العز وباذل العطاء، كما تتوهم النفوس المريضة، بمرض «الدونية» الذي لا شفاء له إلا لمن تحصّن بالكرامة وتطهّر بتراب الوطن وتعلق بنور الحقيقة. شراسة الحملة على ادوارد سعيد كشفت عن خواء الذين تداعوا على النيل منه، عقاباً له على تصديه بالنقد لتحرك عدد من المعارضين العراقيين المقيمين في أميركا لتوفير مظلة سياسية وغطاء لستر عورة الغزو الأميركي المقرر للعراق ضمن مخطط أوسع يستهدف الأمة العربية والحضارة الاسلامية ككل. وتحول ادوارد سعيد الى متهم في عيون زمرة المدافعين عن حق الولايات المتحدة، بل وواجبها لغزو العراق لتحريره من نظام حكم أذاقهم العذاب، وحوّل بلدهم الى «جمهورية خوف» طبقاً لكتاب كنعان مكية الاكاديمي العراقي في الولايات المتحدة. وتناسى هؤلاء بديهيات التاريخ والسياسة الدولية، بل تجاهلوا درس التدخل الأميركي في أفغانستان ـ رغم الفروق الجوهرية ـ واجتهدوا لعقلنة صفقتهم الخاسرة، وهم يلوكون حلم يقظة عن عراق ديمقراطي انساني حتى لو انخلع من ثوبه العربي الاسلامي ـ حسب تنظيرات بعضهم ـ وهو ما أكده مؤتمر المعارضة العراقية في لندن بتعهده للمندوب السامي الأميركي باقامة علاقات «طبيعية» مع اسرائيل! وعلى أيدي المتربصين بإدوارد سعيد، وجعله أمثولة لأي مثقف عربي يقترب بالنقد لكل من يصفق من المعارضين العراقيين للغزو الأجنبي لبلدهم بزعم تحريره على أيدي هؤلاء، تحوّل كنعان مكية الى بطل قومي يتجاوز بأطروحاته ما يزعمون انه فكر قومي عقيم وخطاب سياسي عفا عليه الزمن حتى كشف مكية للجميع عن أصالته في مؤتمر لندن بطرحه تضمين الدستور العراقي حماية حق الشواذ!! وجاءه الرد عاصفاً من آخرين كادوا يسقطونه من سفينتهم، إلا ان المندوب السامي الأميركي أنقذه. المثير للشفقة في أمر هؤلاء الذين يصنعون أجسادهم «حصان طروادة» مجاني للغازي الأجنبي، هو حالة الغبطة التي يتظاهرون بها خلال ترديد خطابهم التبريري، وحديثهم عن فظاعات حكامهم، وهي ومهما كانت فداحتها لا تبرر اطلاقاً التفريط في استقلال وطنهم. ومما يفضح هزالة منطق تبرير الغزو لتغيير أي نظام حكم، ان الغازي نفسه لا يفاخر بأنه حامي حقوق الانسان، ولا المدافع عن السلام العالمي، بل هدفه واضح إلا لمن عميت عيونهم من طائفة أولئك السائرين نياماً على طريق المعلم يعقوب وانطوان لحد. أما ادوارد سعيد، الذي هدد أحد منتقديه العراقيين بالتحريض عليه، كونه عربياً مقيماً في أميركا ويعمل في جامعاتها، فسيبقى ضميراً حياً لثقافتنا في مرحلة من أردأ مراحل تاريخنا، تختلط فيها الأوراق، ويصبح الأفّاق حكيماً، واللص داعية ومصلحاً، والدمية بيد الأجنبي مناضلاً، بل وزعيماً، وتتحول أمراضنا الاجتماعية والسياسية إلى أوراق اعتماد وتبرير لدى المحتل القادم.