الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 اذا كان في علم الرياضيات فرع مستقل وذو اعتبار كبير يعرف بعلم الاحتمالات حيث لا شيء مطلق او صحيح بنسبة 100% واذا كانت السياسة فن الممكن وليست فن المطلق او النهائي، واذا كان في التاريخ المعاصر أزمات سياسية كادت ان تقود الى حرب عالمية ثالثة وعلى مستوى نووي بين الولايات المتحدة وما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي، على غرار أزمة الصواريخ الكوبية في الستينيات من القرن الماضي والتي انتهت في اللحظة المناسبة قبل انطلاق الصواريخ من عقالها، فإن سؤالاً منطقيا يمكن طرحه في هذه اللحظات الحاسمة التي تعيشها المنطقة خلاصته: ماذا لو لم تضرب الولايات المتحدة بغداد ولم يسقط صدام ومرت الازمة الخانقة بشكل او بآخر؟ علينا ان نكون اكثر هدوءا ونحن نعالج الحدث، وعلينا ان نعترف بنظرية الاحتمالات، فهذه علم قائم بذاته واكثر الذين يلجأون الى حقائقه وتوظيفاته هم رجال السياسة، واذن فلا شيء مطلق على الرغم من ان كل المؤشرات التي نراها ونتابعها يوميا تقول وبصريح العبارة بأن الولايات المتحدة ستضرب بغداد عاجلا ام آجلاً، وستغير نظام الحكم فيها، خاصة وان البدائل المطروحة لحكم العراق ليست خافية والحديث عنها يتم يوميا عبر كل وسائل الاعلام، كما ان واشنطن لا تنكرها والمعارضة لا تخفيها. لكن تغيير نظام الحكم شيء، وضرب العراق شيء آخر يمكن الفصل بينهما ببساطة وفق نظرية الاحتمالات، حيث ان الاطاحة بصدام استراتيجية اميركية معلنة ظاهريا على الأقل وهذه يمكن تنفيذها بأقل قدر من الخسائر، ان على الجانب الاميركي او الجانب العراقي الداخلي، دون الحاجة الى حرب حقيقية تستخدم فيها هذه المعدات والاسلحة والجيوش التي تحشدها واشنطن في المنطقة، وعليه سيكون السؤال المنطقي هناك: لماذا كل هذه الحشود العسكرية، وكل هذه الاستفزازات والنبرة المتنامية منذ شهور حول الضربة الاميركية على العراق اذا كانت اميركا لا تنوي ضرب العراق فعلا؟ علماء الاستراتيجية يقولون بأن العامل العسكري لا يستخدم دائما لخوض معركة، وانما يوظف في اغلب الاحيان لاحداث الرعب من اجل دفع الطرف الآخر للنتيجة التي يريدها الطرف القوي، بمعنى ان العامل العسكري المتفوق يوظف لتحقيق ضغط وتفوق حاسم في أية أزمة لصالح الطرف الاقوى، وهنا فنحن امام تصريح لوزير الخارجية الاميركي كولن باول لصحيفة القدس العربي الصادرة في لندن بتاريخ 15/12/2002 يمكننا من خلاله اعادة قراءة الواقع بشكل يصب في اتجاه آخر!. لقد أجاب كولن باول حينما سئل عن مدى احتياج الولايات المتحدة الى موافقة مجلس الامن لشن حرب ضد العراق قائلا: «ان واشنطن تريد مقاربة جماعية لهذه القضية وهي تأمل في تحقيق تسوية سلمية». كولن باول الذي قدم مبادرة الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الاوسط من اجل بناء الامل للسنين المقبلة، يشرح نظرية الحشود العسكرية في المنطقة ومدى مقاربته الحقيقية لحدوث حرب مؤكدة، فيقول لنفس الصحيفة (بعد ثلاثة ايام من طرح المبادرة): «ان العراق لن ينزع أسلحته في غياب تهديد باستخدام القوة العسكرية ضده»، وفيما اذا كانت أميركا ستسمح لصدام بالبقاء في السلطة اذا أثبت المفتشون تخليه عن اسلحة الدمار وتنفيذه لكافة مقررات الامم المتحدة، ام انها ستشن الحرب لا محالة الشهر المقبل؟ قال باول بشكل يدعو للتأمل: «ان احدا في الادارة الاميركية لم يقل بأننا سنشن حربا الشهر المقبل!! كما ان الرئيس بوش لم يتخذ قرارا بهذا الشأن!! وان صدام هو من سيقرر ان كانت هناك حرب ام لا في اشارة منه الى مدى التزام صدام بقرارات الشرعية الدولية! هناك في هذه الايام نغمة جديدة تأتي من واشنطن عن وجود أصوات رسمية عالية تعارض ضرب العراق، كل ذلك يقود الى ضرورة التفكير في احتمال آخر غير الحرب الاكيدة فذلك مهم، لكن الأهم الاجابة عن التساؤل حول: ماذا اذا لم يسقط صدام؟