الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 الحب والفكر قلما تحمل قصيدة لشاعر كل ما يحمل هذا الشاعر من حب وثورة وهمّ وقناعات في كل اتجاه، في الشعر والمرأة والسياسة والدين والتاريخ، أقول قلما تحمل قصيدة لشاعر كل ذلك كما حملت قصيدة نزار قباني التي قالها في مهرجان شعري بتونس الخضراء. تلك التي مطلعها ذلك المطلع المفاجيء المدهش: يا تونس الخضراء جئتكِ عاشقاً وعلى جبيني وردةٌ وكتابُ وأقف هنا وقفة لأقول قبل الخوض في هذه القصيدة «البيان» الذي أخرجه نزار وصرح به عن نفسه فكان اعلاناً شاملا من الحب الى السياسة. أقف لأقول إن أكثر شبابنا الذين عرفوا نزار لم يعرفوا من شعره إلاّ تلك المقطوعات الحسية التي أخرجها يداعب فيها أهواء وأحاسيس الفتيان والفتيات على وجه الخصوص في أوائل عهده، خاصة مجموعته «طفولة نهد» «وقالت لي السمراء» تلك المجموعات التي لا تخلو من قدرته الجميلة على ابتداع لغة شعرية نزارية خاصة، الا أنني أعتبر أنك إذا أردت أن تقرأ نزار الحقيقي العاشق الثائر صاحب المذهب السياسي والشعري العاطفي الخاص فاقرأه في مثل قصيدته هذه التي أوردت مطلعها آنفاً. هذه القصيدة التي من أولها هي عنوان لنزار، «نزار الشاعر الآتي من وراء البحر الى تونس الخضراء، يحمل عاطفة وحباً يكني عنه بالوردة على جبينه، ونزار الذي يحمل فكراً يكني عنه بالكتاب على جبينه. الدمشقي من هذه القصيدة لك أن تعرف نزاراً حق المعرفة إنه يعرّف بنفسه تعريفاً يبين لأول وهلةٍ أنه التعريف الساذج البسيط يقول: إني الدمشقي الذي أحترف الهوى فاخضوضرت لغنائِهِ الأعشابُ فقوله إني الدمشقي تعريف على بساطته عميق عميق، يضرب في أعماق النفس الانسانية والعربية والمسلمة على حد سواء. فإنما أراد نزار بتلك النسبة لا أن ينتسب إلى دمشق الحاضر بل إلى دمشق تلك المدينة القديمة التي لا تساويها في القدم والضرب في أعماق التاريخ مدينة. كما أراد بذلك أن يذكر بدمشقه العربية عاصمة الاسلام الثانية عاصمة بني أمية الدولة العربية الخالصة، وفي ذلك كله دليل على أن أجمل الشعر ما جمع بين البساطة مع العمق الذي لا يظهر في الشعر تقريرا فجّاً بل إشارة وإلماحاً لطيفاً كما يفعل نزار. الهوى يؤكد نزار في قصيدته هذه على الهوى الذي يبلغ عنده حد الاحتراف، فهل يا ترى أراد نزار بالهوى ذلك الهوى الساذج الذي يميل بالانسان إلى المزالق وذلك المعنى المرذول في معناه؟. الحقيقة ان الهوى عند نزار غير ذلك إنه الحب في أسمى معانيه حيث يريد به الميل كل الميل مع القناعات إلى درجة لا رجوع عنها والرسوخ على المبدأ حتى لا انحراف عنه، ولك في الماحته إلى ما يذكر عن قائد الاسلام طارق بن زياد الذي أحرق وراءه مراكب جيشه وقال البحر من ورائكم والعدو من أمامكم أقول لك في تلميح نزار إلى ذلك بقوله عن الهوى : أحرقت من خلفي جميع مراكبي إن الهوى أن لا يكون إيابُ لك أن تعرف وتلحظ معنى الهوى عنده ذلك المعنى الخاص الذي أراد به الثبات على المبدأ والرسوخ عليه وليس هوى الشباب والطيش والصبا. المرأة أما المرأة في قصيدة نزار فلها صورة لعلها لا ترضي بعض النساء لكنها في الحقيقة ليست بالجديدة وإن كانت في ثوب لغةٍ نزاريةٍ جديدة فإنها تحمل نفس الفكرة التقليدية السائدة في الشعر العربي عن النساء وتنكرهن للحب وعدم المبالاة بالمحب، ولك أن تقرأ قوله: اللابسات قصائدي ومدامعي عاتَبْتُهُن فما أفادَ عِتابُ أحببتهُن وهُن ما أحببنني وصَدَقْتُهُن ووعدُهُنَ كِذابُ القصيدة أما القصيدة عند نزار فليست هي الكتابة العادية بل الكتابة المضنية التي لا يمكن أن يتَصورها إلا من حاول يوما أن يغمس أهدابه في حبر همه ويكتب كما قال نزار: إن القصيدة ليس ما كتبت يدي لكنها ما تكتُبُ الأهداب فالكتابة عند نزار احتراق يأكل أعصاب وعمر الكاتب، خاصة في زمن كزماننا هذا الذي يموت فيه الكاتب ضحية فقرٍ ودين وهم يقول: نار الكتابةِ أحْرَقَتْ أَعْماَرنَا فَحَيَاتُنَا الكِبْريْتُ والأحطابُ ما الشعر ما وجَعُ الكتابة ما الرؤى أولى ضحايانا هم الكُتّابُ العالم العربي أما العالم العربي في هذه القصيدة فهو بيت القصيد فيها، إنه ذلك الذي يحتاج الى اعادة صياغة تبدأ من عقيدته مرورا بلغته التي ضاعت وتراثه الذي بقي تراثا لا مجدد له. تلك العروبة التي أضحت تعباً لكل من يفكر فيها، مفرداتها الخوف، انقطاع الصلات المشتركة، العداوات والخلافات، التجزئة المقيتة، التفرقة، التخلف، كل ذلك ممكن اختصاره في قول نزار: أنا يا صديقة متعبٌ بِعُروُبَتيَ فهل العروبة لعنةٌ وعِقابُ القصيدة قصيدة نزار هذه طويلة طويلة أكثرها شعر جميل وثورة شاعر عارمة، وفيها اشارات تاريخية جميلة وفيها أبيات ليته ما قالها، وفيها من بيارق وبروق الأمل أبيات جميلة وأجمل ما قال قوله عن الشعراء وفعلهم وبأنهم: يعطوننا الفرحَ الجميلَ وحظهم حظ البغايا ما لهُنّ ثوابُ وإن أجمل تبرير قاله في قصيدته هذه اعتذارا لثورته العارمة : حزني بنفسجةٌ يُبلّلُها دمي وضِفاف جُرحي روضةٌ مِعشابُ لا تعذليني إن كشفتُ مواجعي وجهُ الحقيقة ما عليهِ نِقابُ إن الجنون وراء نصف قصائدي أو ليس في بعضِ الجنونِ صوابُ