الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 بناء على معلومات استخباراتية عن شخص ما في بلد ما خارج حدود الولايات المتحدة، يصنف رجال وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية هذا الشخص كارهابي «مشتبه به» وعوضا عن اجراء المزيد من التحري الذي يمكن بموجبه تبرئة المشتبه به او رفع امره الى القضاء فان وكالة الاستخبارات تكلف فريقا باغتياله. هذه هي خلاصة القرار الذي اصدره الرئيس بوش قبل يومين والذي يخول فيه وكالة الاستخبارات المركزية صلاحيات تعقب وقتل حوالي عشرين من زعماء «الارهاب» في اي مكان في العالم. وهكذا اضحت وكالة الاستخبارات بصورة رسمية ما كان عليه حالها بصورة غير رسمية: عصابة مافيا تحكم على من ترى بالموت دون الرجوع الى اي جهاز قضائي وتنتشر حول العالم لتنفيذ احكام القتل الأحادية. ومما نقلته الصحافة الاميركية عن مسئولين كبار في الوكالة الاميركية انه بموجب قرار بوش لن يضطر مسئولو الوكالة الى الحصول على اذن من الرئيس لتنفيذ عملية. وتضم القائمة التي تم اصدارها مع القرار الرئاسي اسم اسامة بن لادن ومساعده ايمن الظواهري وعددا من ابرز قادة المجموعات «المرتبطة بالقاعدة او المقربة منها»، كالتنظيم الذي يحمل اسم «الجماعة الاسلامية» في عدد من بلدان العالم الاسلامي. ولو كانت الشخصيات المستهدفة ادينت قضائيا في محاكمة عادلة ونزيهة وصدر على كل منها حكم بالاعدام ـ حتى لو كان غيابيا ـ لجاز اعتبار قرار بوش قرارا مشروعا بمعايير العدالة القانونية المجرد من الهوى لكن حتى الآن وبعد 15 شهرا من تفجيرات سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة لم يقدم الى المحاكمة اي واحد ممن تقول السلطات الاميركية انهم شخصيات قيادية في تنظيم «القاعدة» ولم يثبت قانونا حتى الآن ان هذا التنظيم هو الجهة المسئولة فعلا عن تدبير التفجيرات. فكيف اذن يطلق الرئيس الاميركي بموجب قرار رسمي مكتوب يد رجال الاستخبارات لاعدام اشخاص لم يقل القانون كلمته بشأنهم بعد؟ اننا لا نقول هذا بدافع تبرئة «القاعدة» وقيادييها وكوادرها وفي الوقت نفسه لا نسعى الى تجريمها اننا نقول ببساطة ما تنص عليه القاعدة الذهبية القانونية التي من المفترض انها تحكم اجهزة العدالة الاميركية: المتهم بريء حتى تثبت ادانته فما بالك ان ابن لادن والظواهري ورفاقهما لم يقعوا حتى في دائرة «الاتهام»، اذ انهم مازالوا ضمن دائرة «الاشتباه»؟! لقد «حوكم» الالوف من المعتقلين العرب والمسلمين اعلاميا بواسطة ما لا يحصى من المعلقين الاميركيين.. و«حوكموا» سياسيا على ايدى بوش وتشيني ورامسفيلد ولكن لم يقدموا الى القضاء والآن يبدو انه قد آن اوان تنفيذ «الحكم» الاعلامي والسياسي. ان قرار الرئيس بوش بمنح وكالة الاستخبارات المركزية صلاحيات مفتوحة لقتل من ترى من الناس في جميع انحاء العالم على اساس مجرد الاشتباه الاستخباراتي يؤشر لسابقة على اعلى درجات الخطورة. فعلى هذا الاساس سوف تكون اي شخصية في العالم العربي والاسلامي معرضة للتصفية اذا كان صاحبها يحمل افكارا انتقادية تجاه السياسات الاميركية حتى لو كان يعبر عنها بأسلوب سلمي يكفي فقط في اية حالة ان «تقرر» الاستخبارات الاميركية ان هذا الشخص «يشتبه» في انه «ارهابي» ايا يكون معنى هذا المصطلح. ومما يضاعف من خطورة هذه السابقة الاميركية انها تأتي لتعزيز سابقة اسرائيلية مماثلة. فكما نعلم ونرى فان الاجهزة الامنية الاسرائيلية تدبج من حين لآخر قائمة بأسماء شخصيات فلسطينية ترشح للاغتيال وتسلم القائمة في كل مرة الى القوات الاسرائيلية الميدانية في غزة او الضفة للتنفيذ الفوري وهكذا يتعرض الوطنيون العرب والمسلمون للتصفية الجسدية الاجرامية من جهتين في آن معا تجمع بينهما شراكة استراتيجية ضد الامة العربية والاسلامية. ان هذا التطور الخطير على الصعيد الاميركي يتطلب مرة اخرى وضع «الحرب الاميركية ضد الارهاب العالمي» تحت المجهر لاعادة فحصها عربيا واسلاميا لانها باتت حربا غير معلومة النهاية وغير معلومة المقاصد.. وغير معلومة الحدود الجغرافية، وأسوأ من هذا كله غير معلومة الاهداف الاخلاقية. باسم «مكافحة الارهاب» يعتقل ابرياء لاجل غير مسمى وتصادر اموال ويحظر ارسال مساعدات الى أسر الشهداء الفلسطينيين وتصنف منظمات نضالية او خيرية بانها تخدم «الارهاب» والان بدأ عهد الاغتيالات العشوائية دون محاكمة.. او حتى دون استجواب.