الاربعاء 14 شوال 1423 هـ الموافق 18 ديسمبر 2002 في ذكرى الاحتفال باليوم العالمي لحقوق الانسان نتساءل عن مصير هذه الحقوق في ظل الحرب على الارهاب وتداعيات احداث 11 سبتمبر وفي ظل غياب الشرعية الدولية. الحقوق مع الاسف الشديد وبعد مرور اكثر من نصف قرن على الاعلان العالمي ضاعت، سواء في الشمال او في الجنوب سواء في الدول المسماة بالديمقراطية والمتقدمة او تلك الدول التي مازالت تعاني الفقر والجهل والتهميش. التطورات بعد 11 سبتمبر 2001 شكلت منعطفاً خطيراً اثر سلبا على حقوق الانسان في العالم، وحتى تلك الدول القليلة التي كان ينعم الفرد فيها بهامش كبير من حرية الفكر والرأي والتحزب وحرية التعبير والصحافة وما الى ذلك ضربت عرض الحائط بكل هذه القيم والمباديء، باسم الحرب على الارهاب وراحت تتجسس حتى على المكالمات الهاتفية والبريد الالكتروني وغير ذلك من خصوصيات البشر. احتفل العالم في العاشر من ديسمبر مثلما يحتفل من كل سنة بذكرى ميثاق حقوق الانسان، والعبرة ليست في الذكرى بقدر ما هي في التطور التاريخي لهذا الميثاق ولممارسة حقوق الانسان في ارض الواقع. والملاحظ انه منذ البداية الاولى اي سنة 1948 كانت الانطلاقة خاطئة وكانت هناك ازدواجية في المقاييس والمعايير، حيث في ذلك التاريخ كانت دول وامم وشعوب ترزح تحت نير الاستعمار ولم يتطرق لها الميثاق لا من قريب ولا من بعيد ولم يولها اي اعتبار. ما هو الوضع في ايامنا هذه ايام الغطرسة الاميركية والحرب على الارهاب والتدخل في تحديد برامج التربية الاسلامية واخيراً تحديد 29مليون دولار لتعليم العرب الديمقراطية؟ وما هو الوضع ونحن في نظام القطبية الاحادية وهل تمت عولمة ميثاق حقوق الانسان؟ ام ان هناك فاعلين في النظام الدولي يستعملون المصطلح والمفهوم وفق معطياتهم ومصالحهم؟ وهل بإمكاننا الكلام عن عالمية حقوق الانسان ام عولمة حقوق الانسان. حقوق الأقوى! ما يمكن قوله ان حقوق الانسان مثلها مثل الاعلام اصبحت سلطة تمارس وتوظف في لغة السياسة والدبلوماسية، واصبحت تستعمل كوسيلة ضغط على عدد كبير من الدول التي تخرج عن سكة صانعي النظام الدولي، وتجدر الاشارة هنا الى ان ميثاق حقوق الانسان منذ ظهوره اتسم بثغرات ومصطلحات هلامية مطاطة ومتناقضة عديدة تختلف مع قيم الكثير من المجتمعات ومعتقداتها الدينية وتقاليدها.. وعاداتها.. الخ. واذا ر جعنا الى فلسفة حقوق الانسان ورجعنا الى الثورة الفرنسية تحديداً، نجد ان المحور الاساسي يتعلق بترسيخ الشعور في نفسية المواطن بالتحرر من الاستبداد والعبودية والتبعية وطغيان طبقة او فئة معينة في المجتمع على باقي الطبقات والشرائح الاجتماعية في المجتمع، وهذه الامور مع الاسف الشديد قائمة وموجودة داخل الدول وعلى مستوى العلاقات الاقتصادية والسياسية الدولية والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل بامكاننا ان نضمن حقوق الانسان لمواطني دولة مستعمرة «بفتح الميم» وهل بامكاننا ضمان حقوق الانسان لدولة مستعمرة «بكسر الميم» وهل بامكاننا ضمان حقوق الانسان في دولة تابعة ومسيطر عليها خارجيا من قبل دولة أو دول او نظام دولي؟ اشكالية حقوق الانسان معقدة واصبحت في عصر العولمة والحرب على الارهاب وسيلة ضغط في يد الدول القوية «حق التدخل» للتحكم في مسار العلاقات الدولية وفق مصالحها واهدافها ومن اهم المتناقضات التي يعيشها العالم بشأن حقوق الانسان ما يلي: ـ نلاحظ ان دولة مثل الولايات المتحدة الاميركية المدافع الاول عن حقوق الانسان تضرب عرض الحائط بهذا المبدأ في بلدها وداخل حدودها، وهذا اذا تعلق الامر بالاقليات مثل السود والهنود الحمر ـ السكان الاصليين لاميركا ـ والاقليات الاخرى ومنهم العرب ونلاحظ كم من مواطن عربي اتهم وسجن وطرد من اميركا بدون محاكمة وبدون ادلة قاطعة وبدون عدل ولا شرع. وما ينسحب على اميركا ينسحب على معظم الدول الاوروبية والدول المتقدمة، فرنسا مثلا في تعاملها مع المسلمين ومع مواطني شمال افريقيا تبتعد كليا عن شيء اسمه حقوق الانسان وقصة الفتاتين المغربيتين والحجاب قصة تبقى وصمة عار على دولة تدعي في شعاراتها الحرية ـ الاخوة ـ المساواة. ـ نلاحظ كذلك ان الدولة الفاعلة في النظام العالمي تساند وتدعم انظمة مستبدة ودكتاتورية في العالم الثالث وهذا يتناقض جذرياً مع مبدأ حقوق الانسان لان هذه الدول وبحكم نظامها السياسي السلطوي لا تستطيع بأي حال من الاحوال ان تحترم حقوق الانسان اذا غابت الحريات الفردية وحرية الفكر والرأي والتعبير والفصل بين السلطات والغريب في الامر ان الدول الغربية تساند هذه الدول النامية لفترة زمنية معينة لتحقيق اهدافها الاستراتيجية والاقتصادية وبعد فترة معينة تنقلب عليها مثل ما حدث مع الولايات المتحدة وبنما والولايات المتحدة وبينوشيه وغيرها من الامثلة عندما تدخلت دول غربية في اطاحة دول انتخبت بطريقة ديمقراطية في العالم الثالث، فمبدأ حقوق الانسان بالنسبة للدول الغربية ينتهي عندما تبدأ مصالحها. ـ نلاحظ ان الولايات المتحدة نصبت نفسها رقيبا على حقوق الانسان في العالم تكيل بمكيالين اذا تعلق الامر باسرائيل وباطفال فلسطين وبالغارات على جنوب لبنان واحتلال الجولان والغريب في الامر ان اميركا نفسها تصنف سوريا في خانة الدول الارهابية والدول التي لا تحترم حقوق الانسان. اما بالنسبة لاسرائيل فتوصف بالدولة الديمقراطية المتمتعة بحقوق الانسان وبالحريات المختلفة وتستفيد سنويا من 12 مليار دولار ومن الاسلحة الاميركية المتطورة لقتل الابرياء وتحطيم البنية التحتية لفلسطين. ـ اين حقوق الانسان في فرض المقاطعة على ليبيا وتهديد العراق بالحرب واين حقوق الانسان في ضرب مصنع الادوية في السودان؟ تناقضات صارخة لان هذه العقوبات تتناقض جملة وتفصيلاً مع حقوق الانسان ومع اطفال وابرياء هذه الدول وبأي حق تفرض الولايات المتحدة نفسها شرطياً على العالم وبأي حق تصنف الدول وتضعها في خانة الارهاب وعدم احترام حقوق الانسان فيها. ـ اين هي حقوق الانسان عندما تحكم البنتاغون في حرب الخليج الثانية في الاخبار والمعلومات واصبحت قناة سي. ان ان. هي الوسيلة الاعلامية الوحيدة في العالم المسموح لها بتزويد البشرية جمعاء بما تراه خبراً ام لا؟ اين هو حق الاتصال وحق المعرفة وحق الاعلام؟ التحدي الكبير ـ وهكذا اصبح مبدأ حقوق الانسان وسيلة في يد الدول القوية للضغط وادارة شئون العالم وفق ما تمليه عليها مصالحها واهدافها الاستراتيجية. ونلاحظ هنا انه حتى بعض المنظمات غير الحكومية التي تعنى بشئون حقوق الانسان قد تم اختراقها واستغلالها واستعمالها وانحازت لدول ولمصالح ولايديولوجيات معينة على حساب خدمة مبدأ انساني عالمي لا يعرف في الاساس لا حدود ولا جنسيات. قال سبحانه وتعالى «ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل ان هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءت من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير». ان الشيء الذي لم يقتنع به الغرب الى حد الآن، هو ان قيمه لا تصلح لمختلف المجتمعات والحضارات وان معتقداته لا تصلح بالضرورة للبشرية جمعاء فاذا استطاع ان يصدر الهامبورجر والميكي ماوس، فإن القيم والاخلاق والديانات تبقى دائما من اختصاص واختيار وخصوصية كل مجتمع وكل دولة، والدول العربية وغيرها من دول العالم ليست بحاجة لدرس في حقوق الانسان وفي القضاء والتشريع والملاحظ هنا ان الاولى بهذه الدروس هو الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية التي تعاني من العديد من التناقضات في معاملة الانسان ومعاملة المرأة ومعاملة الاعراق والديانات والاقليات. هل البشرية بحاجة الى عولمة حقوق الانسان أم انها بحاجة الى عالمية حقوق الانسان؟ واذا تكلمنا عن العالمية فهذا يعني احترام خصوصية الشعوب والامم والحضارات. كيف يكون مستقبل حقوق الانسان في ظل العولمة، عولمة لا تؤمن بخصوصية الشعوب ولا بالشعوب الضعيفة والمغلوب على امرها، عولمة همها الوحيد هو سلطة المال والسياسة والقوة، أي الشركات المتعددة الجنسيات التي تسيطر على المال والاعمال والصناعات والتجارة الدولية والتي لا حدود لها ولا بلد ولا ذوق ولا طعم تعمل ليل نهار من اجل هدف واحد وهو الربح. هذه الشركات المتعددة الجنسيات التي تبتز اطفال العالم وفقراء العالم في ضوء النهار من جهة وتطالب من جهة اخرى بحقوق الانسان اليس من حق اطفال العراق العيش؟ وكيف لنا ان نتكلم عن حقوق الانسان في العالم وهناك شعوب محرومة من حقها حتى في العيش؟ يبدو ببساطة ان العالم بحاجة لوقفة مع الذات ومع أخلاق الأنا وهو التحدي الكبير الذي سيواجهه مستقبلاً فأحداث 11 سبتمبر لا تبرر بأي حال من الاحوال انتهاكاً لحقوق الشعوب، والعالم اليوم وأكثر من اي وقت مضى مطالب بتحكيم العقل واقامة حوار حضاري وتواصل صريح وشفاف وموضوعي لاعادة الشرعية الدولية لمسارها الصحيح تحت مظلة الامم المتحدة. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة